قلمي🖊️ بندقيتي

*بقلم: ابراهيم المدهون كاتب ومحلل سياسي*

بلا شك أن العدوان على لبنان عدوان خطير، لا يهدد حدودًا عسكرية فحسب، بل يمسّ الديموغرافيا والتاريخ والجغرافيا معًا. فحين تمتد يد الاحتلال إلى الأرض اللبنانية، وتُطلق على بعض مواقعها أسماء عبرية، فإن الأمر لا يتعلق بعملية عسكرية عابرة، بل بمحاولة فرض معنى جديد للأرض، وكأن التاريخ يمكن أن يُعاد كتابته بالقوة، وكأن الجغرافيا يمكن أن تُختصر في خرائط الجنرالات.هذا التوحش لا يستهدف لبنان بوصفه أرضًا فحسب، بل يستهدف المكوّن اللبناني الذي يرفع لواء المواجهة والتحدي لهذا الاحتلال، ويحاول كسر إرادة المجتمع الذي يرفض أن تتحول أرضه إلى ساحة خضوع. وفي الوقت نفسه، فإن العدوان لا يقف عند هذا الحد؛ فهو يتجه أيضًا نحو استهداف التواجد الفلسطيني في لبنان، ومحاولة ضرب المكوّن الفلسطيني داخل المخيمات، وخلط الأوراق في الساحة اللبنانية.إن الاحتلال يدرك أن المخيم الفلسطيني ليس مجرد تجمع بشري فقير، بل ذاكرة حية لفلسطين، وشاهد دائم على جريمة الاقتلاع. ولذلك يحاول أن يضرب هذه الذاكرة، وأن يجعل المخيم يشعر بأنه مطارد حتى في منفاه.ولهذا يبدو أن يد القاتل لم تعد تكتفي بملاحقة الفلسطيني في وطنه، بل صارت تطارده في منافيه أيضًا. ففي الآونة الأخيرة تصاعد استهداف أبناء شعبنا الفلسطيني داخل المخيمات في لبنان، تلك المخيمات التي لم تكن يومًا سوى محطات انتظار طويلة للعودة.جريمة اغتيال في مخيم البداوي شمال لبنان، سبقتها اعتداءات في مخيم عين الحلوة، وامتدت إلى مدينة صيدا. وما يجري ليس حوادث متفرقة، بل سياسة مقصودة تستهدف الفلسطيني وبيئته المجتمعية، من العاملين في الإغاثة والعمل الخيري إلى الأطر الطلابية والشبابية، في محاولة لضرب صمود اللاجئين وإخضاعهم لمنطق الخوف.لكن المخيم الذي وُلد من الألم لم يتعلم الاستسلام. فمن بين الأزقة الضيقة والبيوت المتواضعة وُلدت ذاكرة كاملة لوطنٍ لم يغِب عن القلوب، وإرادة عنيدة ترفض أن تتحول حياة اللاجئ إلى مجرد انتظار بلا معنى.إن استهداف شعبنا الفلسطيني في لبنان يحمل دلالات عميقة؛ فهو يؤكد أن المعركة واحدة، تمتد من غزة إلى الضفة الغربية، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ثمانية وأربعين، وصولًا إلى مخيمات الشتات. فالفلسطيني، أينما كان، ما زال في قلب هذه المواجهة، وما زال الاحتلال يتعامل معه بوصفه الخطر الذي لا ينتهي.وربما أكثر ما يكشف روح هذه الحكاية هو ما تراه في المخيمات بعد كل جريمة. ففي البداوي أو في عين الحلوة، حيث يرتقي الشهداء، يمتزج الألم بالأمل. وعندما تزور عائلة شهيد لتشدّ أزرها، لا تجد بيتًا منكسرًا كما يريد المجرم القاتل، بل ترى وجوهًا يعلوها الصبر والكبرياء، وتسمع التكبير يسبق البكاء، وتبادرك كلمات تختصر المعنى كله: نحن امتداد لغزة، وجزء من عنفوان طوفانٍ لا يهدأ إلا مع التحرير.


مصنف في :