قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:عبد العزيز أبو طالب

انطلق العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في 28 فبراير 2026 استجابة للضغوط الإسرائيلية على الرئيس الأمريكي ترامب ومعه انطلقت العملية الدفاعية الإيرانية بعد ساعات قليلة من العدوان.
يختلف الطرفان في الأهداف وكذلك في تفسيرهما لمفهوم النصر؛ فالطرف الأمريكي الصهيوني المعتدي ينطلق من دوافع استراتيجية، وهي ضرورة تغيير النظام في إيران كهدف تشكّل في العقيدة الأمريكية والصهيونية منذ نجاح الثورة الإسلامية في العام 1979م، وبالتالي إزاحة إيران من مكانتها ودورها الإقليمية في دعم حركات المقاومة وتذليل الطريق أمام الكيان الصهيوني لتنفيذ أحلامه وما سماه مجرم الحرب نتنياهو بالمهمة الروحية لإقامة “إسرائيل الكبرى”، الولايات المتحدة لها هدفها الخاص وهو إعادة تشكيل النظام -في أقل الأحوال- لتعود الشركات الأمريكية إلى استغلال ثروات الطاقة الإيرانية وإعادة تنصيب طهران كشرطي للولايات المتحدة في المنطقة وضمان المزيد من الهيمنة والاستغلال لثروات المنطقة العربية بالنسبة للجانب الإيراني المدافع فإنه يستحضر مؤامرات الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ضده منذ التخلص من حكومة مصدّق عام 1953 وإعادة الشاه في مخالفة لرغبة الشعب الذي رفضه، وبالتالي يؤمن الشعب الإيراني أن الولايات المتحدة لا تهتم سوى بمصالحها ولو على حساب أمنه ورخائه الاقتصادي، وهو ما تأكد بفرض الحصار الخانق والمتصاعد على إيران منذ اليوم الأول لنجاح الثورة.
يأتي مفهوم النصر للولايات المتحدة والكيان الصهيوني تحت سقف مرتفع من الأهداف -التي فشلا مراراً في تحقيقها- وهي إزالة النظام ونزع قدراته العسكرية -الصاروخية على وجه الخصوص- أو تدمير البرنامج النووي وهذا يعتبره الإيراني مستحيلاً، ويرى الكيان أن هذه فرصة لا يمكن أن تتكرر في وجود ما وصفه بأعظم رئيس في الكون، فهو ينتمي إلى التيار اليميني المحافظ المتطرف والفكر الصهيوني المسيحي الموالي لإسرائيل وفي نفس الوقت مدفوعاً بتداعيات فضيحة إبستين الأخلاقية.
الأمريكي في عقيدة ترامب الحالية يعتقد أن النصر سيتحقق في حال نجاحه في تنفيذ الضربة الخاطفة الموجعة ثم إقناع إيران بوقف إطلاق النار معتمداً على قدراته العسكرية الجوية والسيبرانية في استهداف القادة وأماكن إطلاق الصواريخ.
وبالتالي فإنه يصعب أو يستحيل تحقيق “النصر” المتوهم في المخيلة الأمريكية والصهيونية.
بالنسبة للإيراني الذي يعتبر نفسه في حالة دفاع فإن مفهومه للنصر لديه يتمثل في قدرته على الصمود والحفاظ على النظام وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني والأهم من ذلك كله هو قدرته على الصمود لفترة أطول من قدرة العدو على الاستمرار، وكل تلك المظاهر ممكنة بل ونجحت إيران في ترسيخها وتعزيزها في نفس الوقت.
نجحت إيران إلى اليوم في تحقيق هدفها ورسم الصورة الأولية لانتصارها عبر صمودها في مواجهة العدوان معتمدة على العوامل التالية:
الاستهداف المركز لأنظمة الرادارات الأمريكية في المنطقة إغراق المجالات الجوية للعدو بالأنظمة الصاروخية الباليستية وتخصيص الصواريخ الفرط صوتية للأهداف الاستراتيجية.
استنزاف مخزونات العدو من الصواريخ المضادة المكلفة والتي يصعب تجديدها حالياً في ظل الحرب الأوكرانية ومنع الصين لتصدير المعادن النادر اللازمة لصنعها.
الاستفادة من تداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز على الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا والدول الخليجية لا سيما في ظل الحصار النفطي على روسيا، ولعل توجه الأمريكي نحو السيطرة على نفط فنزويلا كان مقصوداً لتعويض النقص في حال إغلاق المضيق هرمز.التذمر الأمريكي بشقيه الجمهوري والديمقراطي من الحرب التي توصف بأنها حرب إسرائيلية، يزيد من ذلك التذمر عودة جثث القتلى الأمريكيين.
تحويل جريمة اغتيال القائد الخامنئي إلى دافع ومحفز لملايين الإيرانيين للالتفاف حول النظام وانطلاق المقاتلين للقتال بشراسة بهدف الانتقام لقائدهم الروحي وامتصاصها للصدمة الأولى بعد اغتيال القائد وعدد من القادة العسكريين وإفشال خطة العدو في إحداث شلل للنظام وعجز عن الرد.
الاستفادة من تجربة عدوان الاثني عشر يوماً وتحليلي قدرات العدو والاستعداد للجولة الحالية وهو ما يفسر سرعة الرد رغم الصدمة وكفاءة الأداء والتأثير نجاحها في إخفاء منصات إطلاق الصواريخ والاستمرار في إطلاقها بوتيرة متصاعدة ما يزيد من إحباط العدو في إيقافها فضلاً عن فشله في اعتراضها وعليه فإنه يمكن القول إن النصر الإيراني ممكن ويعتمد بالدرجة الأولى على قدرتها على الصمود ومواصلة الضغط العسكري والاقتصادي على العدو الذي لا يرى في إطالة أمد الحرب لصالحه.


مصنف في :