قلمي🖊️بندقيتي
بقلم:أحمد عبدالوهاب
مع كل موسم رمضاني، لا يقتصر التوتر في القدس على الحواجز والاقتحامات، وانتهاك حرية العبادة، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مراقبة مشددة لا تقل حساسية عن الشارع وكشفت تقارير، عن وجود حالات اعتقالات بسبب «التحريض على الإنترنت»، وهو ما يعكس توجهاً نحو ضبط المجال العام الافتراضي، بوصفه امتداداً للمجال السياسي والأمني فضلًا عن أن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في عدد الاعتقالات، بل في طبيعة الرسالة التي تُبعث إلى المجتمع، أن الكلمة، حتى في سياق شخصي أو عاطفي، قد تتحول إلى ملف أمني.
لا شك أن شهر رمضان في القدس، ليس مجرد شهر ديني يحمل روحانيات، بل يشمل أحداث سياسية واجتماعية، نظرًا لحساسية المكان المقدس، الذي يشهد تقويضًا لحرية العبادة، لذلك فإن تشديد الرقابة خلال هذا الشهر يحمل أبعاداً تتجاوز البعد القانوني إلى البعد النفسي والسياسي وعندما يُعتقل شاب بسبب منشور أو مشاركة، عبر مواقع التواصل الاجتماعى، لا يُقرأ الحدث فقط باعتباره تطبيقاً للقانون، بل يُفهم كإشارة ردع عامة، تعيد رسم حدود المقبول والممنوع في التعبير الرقمي.
الإشكالية الأساسية تكمن في اتساع مفهوم «التحريض»، خاصة وأنه في ظل المشهد السياسي المتأزم، قد تُفسر عبارات التضامن، أو التعبير عن الغضب، أو حتى إعادة نشر محتوى خبري، باعتبارها دعماً غير مباشر لمواقف تُصنف أمنياً على أنها خطرة.
هذا النمط الأمني المشدد، يجعل الرقابة الذاتية، أكثر التزامًا حيث يبدأ الأفراد بمراجعة كلماتهم وصورهم وتفاعلاتهم بدافع الخوف لا القناعة، وهنا يتحول الفضاء الرقمي من مساحة للحرية والتواصل إلى حقل ألغام قانوني.
دعوات السلطات التعليمية لأولياء الأمور بتشديد الرقابة على نشاط أبنائهم الرقمي، تعكس إدراكاً لحجم المخاطر القانونية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مأزق اجتماعي، خاصة وأن المراهقون والشباب هم الأكثر حضوراً على المنصات الرقمية، وهم أيضاً الأكثر عرضة للانفعال والتفاعل اللحظي مع الأحداث.
لذلك، فإن مطالبة الأسر بلعب دور «الوسيط أو المراقب» داخل المنزل قد تعزز الوعي، لكنها قد تولد أيضاً فجوة ثقة بين الأجيال، إذا ما تحولت الرقابة إلى خوف دائم من التعبير هذا النهج يطرح سؤالاً حول حدود الأمن وحرية التعبير في سياق الاحتلال، فالمجتمع الذي يعيش تحت ضغط يومي يميل بطبيعته إلى استخدام الفضاء الرقمي كمساحة بديلة للتعبير، خاصة عندما تُقيد أشكال التعبير الأخرى، في الطرق العامة أو عبر المنابر الإعلامية، ومع تضييق هذه المساحة أيضاً، تتراكم مشاعر الاحتقان، ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.
في المقابل لا يمكن تجاهل البعد الأمني الذي تستند إليه هذه السياسات، لأن وسائل التواصل قد تُستخدم فعلاً للتحريض المباشر أو التنظيم لأعمال عنف، وهو ما يجعل أي سلطة تميل إلى التشدد في فترات التوتر الأمنى.
لذلك، بات الفضاء الرقمي في القدس، أمر يصعب غض الطرف عنه، خاصة في ظل حصار وتقويض سبل الحياة اليومية، التي باتت وحدها صراعًا يحتاج إلى جهد، ولا يملك كثير من المقدسيين رفاهية الوقت، لمتابعة الفضاء الرقمي والسوشيال ميديا.
ومع حلول شهر رمضان، تتضاعف الحساسية الدينية، لذلك يصبح من الضروري إعادة التفكير في كيفية إدارة هذا التوازن خاصة في ظل مجتمع يضطر إلى الصمت، خوفًا من منشور أو «بوست»، يضعه تحت طائلة القانون.



