قلمي🖊️بندقيتي
بقلم:د.عبدالحليم قنديل
“أنا الدولة والدولة أنا” ..، عبارة رنانة اختلف المؤرخون القدامى والجدد على مدى صحة نسبتها حرفيا للملك الفرنسى “لويس الرابع عشر” لكن أحدا من الأحياء لا يختلف على مغزى تذكرها اليوم ليس فقط مع استمرار وجود ملكيات مطلقة وجمهوريات تتحول من داخلها إلى ملكيات حتى فى جمهوريات عريقة كالولايات المتحدة التى يحطم رئيسها المنتخب الحالى “دونالد ترامب” تقاليدها بالجملة ليس فقط فى بلاده بل عبر العالم ويتصرف كأنه يقول “أنا العالم والعالم أنا” ويهزأ بقواعد القانون الدولى ونظام الأمم المتحدة ويقرر انسحاب واشنطن من 66 هيئة أممية وأعلن بوضوح أنه لا يكترث بشئ اسمه قانون دولى وأن المعيار الحاكم عنده هو أخلاقه الشخصية (الراقية طبعا) (!) ، ويسعى لنظام دولى يخصه شخصيا يكون فيه هو الآمر الناهى على نحو “ملكى” مطلق ، وعلى طريقة ما يسميه “مجلس السلام العالمى” الذى يحله بديلا عن مجلس الأمن الدولى ويقوم هو باختيار الأعضاء ، وقد وجه خطابات الدعوة إلى ستين حاكما حول العالم ، ووضع ميثاقا لمنظمته الخصوصية الفريدة يضم إليه من يقبل دعوته (السامية) ويجتمعون مرة واحدة أو أكثر كل عام يكون لهم فيها حق التصويت فى حلول النزاعات والقضايا الدولية ، ويكون له وحده حق الموافقة وحق الاعتراض (الفيتو) ، ويحتفظ بختم القرارات فى جيبه أو فى درج مكتبه البيضاوى ، ويكون له وحده حق توزيع بطاقات العضوية وتحديد درجاتها ، ومن يريد أن يكون عضوا دائما ، عليه أن يدفع اشتراكا بمليار دولار ، أما الذين يمتنعون عن الدفع أو لا يطيقونه ، فهم أعضاؤ مؤقتون لثلاث سنوات يجرى إسقاط عضويتهم وطردهم بعدها ، أى فى ذات التوقيت المصادف لخروجه شخصيا من البيت الأبيض ، وربما يطمح فى أخذ المتبقين معه إلى “برج ترامب” فى نيويورك ، الذى يدير منه أعمال صفقاته ومقاولاته حول العالم (!) .
وتبدو القصة مفرطة فى عبثيتها ، وإن كانت تعكس ميل “ترامب” إلى الاستحواذ على مصائر العالم ، وتنصيب نفسه رئيسا لمجلس إدارة الدنيا ، يخفض ويرفع ، ويجعل من مطامعه ومطامحه معيارا لما يسميه السلام الدولى ، فهو يقول دائما وكاذبا ، أنه أوقف ثمانية حروب كبرى ، ومن دون أن يحصل على جائزة نوبل للسلام ، وقد اتهم دولة “النرويج” بحجبها عنه عمدا ، وربما يطرح على مجلس سلامه الشخصى فى أول اجتماع ، أن يمنحه جائزة سلام بديلة من عوائد المليارات التى يدفعها الأعضاء “الدائمون” ، فعقيدته الظاهرة أن السلام تصنعه القوة الأمريكية وحدها ، وأن أحدا لا يملك منعه عن شئ يريده ، من بترول وغاز فنزويلا وإلى قاعدة “باجرام” فى أفغانستان ، وإلى جزيرة “جرينلاد” التابعة لدولة “الدنمارك” فى القطب الشمالى ، وإلى “محو إيران عن وجه الأرض” كما قال فى تصريحات علنية أخيرة ، والأدوار مقبلة على الآخرين جميعا ، ومن يتذمر أو يبدى معارضة ، فإنه لن يكون موجودا ، كما حدث مع الرئيس الفرنسى “إيمانويل ماكرون” ، الذى لم يظهر ارتياحا لقبول دعوة “ترامب” إلى مجلسه العالمى ، وكان جواب ترامب المباشر ، أن أحدا لا يريد “ماكرون” ، وأن رئاسته لفرنسا ستنقضى بعد شهور ، وأنه سيفرض ضرائب جمركية على صادرات الخمور الفرنسية للسوق الأمريكى بنسبة 200% عقابا فوريا ، هذا ـ بالطبع ـ إضافة لعقاب جمركى على صادرات ثمانى دول أوروبية ممتعضة من قرار “ترامب” الاستحواذ على “جرينلاند” ، وبنسبة 10% إضافية بدءا من أول فبراير 2026 ، تزيد إلى 25% أوائل يونيو المقبل ، ولا يأبه رجل السلام “الكونى” بمعاقبة حلفاء بلاده عبر الأطلنطى ، ولا بالحدود الدنيا من كرامة مفترضة للدول التابعة من ثمانين سنة للولايات المتحدة .ومع طفح شهوات “ترامب” للاستيلاء على كل شئ ، بدءا من نصف الكرة الغربى وضم كندا والمكسيك إلى قائمة أهدافه الأقرب مع أمريكا اللاتينية ، فقد لا يدرك “ترامب” ، أنه يضيع بفوائض نزق القوة الأمريكية كل شئ بحوزة أمريكا ، فقد ذهبت “كندا” المجاورة المهددة بعيدا إلى الشرق الصينى ، وتتطلع دول فى أوروبا وأمريكا اللاتينية إلى الحل الصينى نفسه ، وذلك بسبب ضيق هذه الدول من عجرفات “ترامب” العدوانية المتصاعدة ، ومن ثم ميل الضحايا الإجبارى للتحول إلى الصين ، التى تحترم قواعد القانون الدولى والتجارة العالمية ، وتملك ميزات استثنائية كمصنع أول للعالم وكتاجر أول ، وتسعى دول أوروبا الكبرى للاحتذاء بما فعلته كندا ، التى عقدت اتفاقا مع الصين بشروط جمركية ميسرة ، تشترى بموجبها كندا 50 ألف سيارة كهربائية سنويا من الصين ، وبنسبة جمارك لا تزيد على خمسة بالمئة ، وتبيع للصين صادرات زراعية أهمها “بذور اللب” وبنسبة جمارك لا تزيد على 8% ، فيما بادرت “أسبانيا” بعقد صفقات تجارية أكبر مع الصين ، وفى الطريق صفقات أوروبية صينية ضحمة ، فيما لا يملك “ترامب” أن يواجه الخصم الصينى ، الذى صمد بصلابة عنيدة فى الحروب التجارية التى أشعلها “ترامب” ، وتصور أن غلق الأسواق الأمريكية فى وجه الصين ، قد يعيق صعودها إلى عرش اقتصادات العالم ، بينما الصين هى المستفيد الأعظم من نزق “ترامب” وتمزيقه للعلاقات مع حلفاء أمريكا التقليديين ، ربما بسبب ما تضيفه قراراته المتهورة من ثقة فى الصين وعقلانية تصرفاتها ، ولا أحد أسعد من الروس بتفكيك صلات العروة الوثقى بين واشنطن ودول أوروبا الغربية .وقد تتسابق دول للانضمام إلى مجلس “ترامب” العالمى ، ربما لاسترضائه أو لاتقاء شروره ، وقد دفع بعضهم فى الشرق الأوسط تريليونات الدولارات ، أو تعهدوا باستثمارها فى أمريكا كسبا لمودة “ترامب” وعطفه ، وإن كانت الوساوس تؤرقهم خوفا من تقلباته ، ومن عواقب المبالغة فى قدراته الموهومة على إعادة تشكيل العالم وصياغة موازينه ، وبعضهم يواصلون الغرق فى الأوهام ، ويأملون أن يدمر لهم “ترامب” إيران فى ضربة باتت وشيكة ، جلبت لها واشنطن أساطيلها وحاملات طائراتها وغواصاتها وصواريخها إلى المنطقة ، لكن أطرافا معنية تبدو متشككة فى نتائج الضربة الأمريكية الجديدة ، ربما قياسا على ما جرى فى حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ، التى أعلن “ترامب” بعدها وبثقة ، أنه نجح فى محو البرنامج النووى الإيرانى ، ثم تبين أن كلامه محض وهم أو فوائض لسان منفلت ، وها هو يعاود الآن مطاردة وهم أكبر ، عنوانه محو إيران أو إسقاط النظام الإيرانى ، وهو ما لن يحدث غالبا ، حتى لو جرى خطف أو اغتيال المرشد الإيرانى “على خامنئى” ، فالنظام الإيرانى لا يسقط بضربات جوية أو صاروخية مهما بلغت ضراوتها ، وليس بوسع “ترامب” ولا غيره ، أن يقرر إرسال قوات برية أمريكية إلى الأراضى الإيرانية لاقتلاع نظامها ، وقد تحدث “عمليات كوماندوز” أمريكية و”إسرائيلية” هنا أو هناك ، لكن أحدا لا يضمن حدود ردود الأفعال من النظام الإيرانى ، الذى يبدو أفضل استعدادا ، مع غياب عنصر المفاجأة ، فكل شئ يجرى على الهواء منذ شهور ، والدعم الصينى والروسى محسوس فى إيران هذه المرة وتبقى القضية الأصلية فى فلسطين و”غزة” بالذات ، التى جرى الإعلان عن إنشاء “مجلس السلام” فى سياق تطوراتها ، وبحسب بنود خطة “ترامب” العشرين لسلام “غزة” ، ولم يتحقق منها شئ إلى اليوم لصالح “غزة” ، اللهم إلا خفض المستوى النارى لحرب الإبادة الجماعية الأمريكية “الإسرائيلية” ، وبدا إنشاء مجلس السلام كأنه قنطرة عبور إلى المرحلة الثانية من خطة “ترامب” ، وفهم المعنيون أن المقصود هو إنشاء مجلس للسلام فى “غزة” وحدها ، وبدا التشكيل المعلن مقصورا على معاونى “ترامب” الصهاينة وبرئاسته ، قبل أن يتسع المعنى “العالمى” لمجلس “ترامب” الخصوصى ، وربما كان المغزى “الغزى” الأول من دواعى عدم امتناع أطراف عربية وإقليمية عن الانضمام ، جنبا إلى جنب مع مجرم الحرب “بنيامين نتنياهو” المرحب المنضم لمجلس السلام إياه ، بينما عارض علنا هيئاته التابعة ، التى تشكل فى الكثير منها إطارا لفرض وصاية أجنبية وانتداب كامل الأوصاف على فلسطين وقضية “غزة” ، وإلى حد تسمية البلغارى “نيكولاى ملادينوف” مندوبا ساميا ، ينسق عمل المجلس التنفيذى ، الذى يضم رجل أعمال “إسرائيلى ـ قبرصى” مع ممثلين لدول عربية وإقليمية معنية ، ثم يقوم “ملادينوف” بنقل التوجيهات إلى ما تسمى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” ، وهى الطرف الفلسطينى الوحيد فى غابة مجالس “غزة” ، وقد جرى حصر صلاحيات اللجنة فى حدود إدارية بلدية الطابع ، ولم يسمح إلى الآن بدخول أعضائها إلى “غزة” ، مع عدم الإشارة مطلقا إلى الإنسحاب “الإسرائيلى” من “غزة” ، وهو ما يجعلنا نلف وندور فى دوائر متاهة مفرغة ، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا .
Kandel2002@hotmail.com



