قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:عزات جمال
وحين أسري به صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وعُرج به من مسجدها الأقصى نحو السماوات حيث سدرة المنتهى، هذا التكريم الذي لم يحزه أحدٌ من الأنبياء والمرسلين قبله، وما تبعه من اجتماع لم تعرفه الأرض من قبل قط.
رسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى المبارك. إن هذا التكريم الإلهي بعد عام الحزن، الذي شهد فقد الأحبة والسند، والايذاء الشديد الذي تعرض له من القريب والبعيد، حتى قال الصادق المصدوق “إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي” مناجياً ربه من شدة ما وجد. تأتي رحلة الإسراء تسلية، والمعراج نحو السماء اصطفاء.
في مشهد يؤكد على عمق الصلة الوثيقة بين بيت الله الحرام والمسجد الأقصى المبارك، هذه الصلة التي يتغافل عنها المسلمون اليوم أيما تغافل، وهي آية يقرأونها في كتاب الله ويمرون عليها صباح مساء؛ وحدها كانت غزة درع المدينة المقدسة وسيفها المسلول، لم تتردد للحظة أن تفديها بمهج العيون وكبير التضحيات، حتى تبقى عزيزة مصونة، ولتعذر لربها حين تثاقلت أمة المليارين عن نصرتها.
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج رسالة للبشرية جمعاء، بقدر ما كانت تسلية وتثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذروة الابتلاء والشدة، فلكم يا من تسيرون في طريق الحق وتلقون الأذى وتصيبكم الجراحات الكثيرة، يا من لا تجدون على الحق أعواناً، يا من فقدتم الولد والبيت والمال، يا من فقدتم كل ما تملكون، يا من قل زادكم وشح ماؤكم؛ هل تُراه السميع البصير يخذلكم!
إن الله كما تكفل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصرة، وهو يتلقى الحجارة بجسمه الطاهر في الطائف دون حماية أو سند، بعدما أغروا به صبيانهم وسفهاؤهم، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فجاءت الرحلة للتفريج عنه وتكريمه. سيمكن للمصلحين وأنصار الحق، ويبدل خوفهم أمناً، وفقرهم غنى، وهوانهم على الناس عزة وهيبة، لكنها سنن الله التي لا تحابي أحداً، ووعده الحق لابد ومنجز.
على طريق الاسراء والمعراج سيبقى المسجد الأقصى المبارك، علامة صدق الانتماء ورسوخ الإيمان واليقين، ليميز الله به الخبيث من الطيب والصادق من الدعي الكاذب، يرتفع من رفع قضيته وعاش مدافعاً عنها، ويندثر ذكر من أدار ظهره له، بوصلة الخيرة في زمان التيه، ومصباح الهدى حين يعم الظلام. وسيسرج الأحرار قناديله ولن تنطفئ.
الاسراء والمعراج ليست ذكرى في رزنامة السنة، ولا قصة تروى للتسلية والترفيه، ومناسبة تُحيا. بقدر ما هي رسالة وعبرة وآية، تعلمنا بأن السقوط ليس خياراً، ولا اليأس يمكن أن يكون شعاراً، فالفقد والقلة والشدائد، طارئة وزائلة، وبأن سنة الابتلاء والتمحيص جرت على الجميع بمن فيهم الأنبياء والمرسلين، وأنه لا تمكين دون ابتلاء، وبأن العاقبة للمتقين. يبتلي الله الذين آمنوا فينجح من وفقه الله. فأملوا وأبشروا.



