آخر الأخبار
وزير الخارجية الإيراني عراقجي: كنا نقاتل ارهابيين
أوامر للدفاع الجوي الإيراني بالاشتباك الفوري!
“لجنة إدارة غزة” الحاجة وأبرز التحديات
النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الأربعاء الموافق 14  يناير 2026         
القيادي بركة:تشكيل اللجنة سيعالج الأوضاع المعيشية والانسانية
هل تعتقد حقا” أن الغرق هو السقوط في الماء؟
وزير الخارجية المصري والفصائل الفلسطينية “يباركون” تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية
اللواء حسن شقير يستقبل سفير فنزويلا
الرئيس بري يستقبل الموفد الرئاسي الفرنسي
وزارة الصحة بغزة:ارتقاء شهداء بنيران جيش العدو

قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:عزات جمال

مؤشرات ودلائل آخذة في الازدياد تشير إلى نية لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي بشن عدوان واسع على الجمهورية الإسلامية في إيران، وفق أسوأ السيناريوهات. قد يُفتتح ذلك بمحاولة استهداف عشرات القيادات السياسية والعسكرية الوازنة، بما فيهم المرشد، إضافة إلى استهداف أهداف حيوية ومواقع حساسة، بما فيها منظومة الصواريخ وذراع إيران الإعلامي، لتحييد قدرة طهران، في المرحلة الأولى، عن رد مؤثر على العدوان كما في المرة السابقة خلال حرب “12 يوماً”، وفي المرحلة الثانية محاولة تغييب الرواية الإيرانية الرسمية عن الجمهور الإيراني، لإحداث إرباك وخلخلة عنيفة داخل المجتمع، ومضاعفة تأثير العمليات العسكرية عليه، ليبقى تحت رحمة آلة الدعاية التي يواجهه بها الاحتلال الإسرائيلي. وفي هذا الإطار يبرز استعداد إيلون ماسك لتزويد الإيرانيين بخدمة إنترنت مجانية، بما يضمن إدامة وصول العمليات النفسية للاحتلال الإسرائيلي وداعميه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الاستهداف العسكري المتوقع عن ما يُعرف بالحرب الإدراكية أو المعرفية، وهي نمط متقدم من الصراع تسعى من خلاله القوى المعتدية إلى التأثير على وعي المجتمع المستهدف، وضرب ثقته بقيادته ومؤسساته، وخلق حالة من الشك والارتباك النفسي الجمعي، بما يسبق أو يواكب العمل العسكري. الاحتلال الإسرائيلي وحليفته الولايات المتحدة الأمريكية يمتلكون خبرة متراكمة في هذا النوع من الحروب، ويعتمد فيه على أدوات إعلامية وتقنية وشبكات تواصل عابرة للحدود، ما يجعل السيطرة على الفضاء المعلوماتي مسألة مركزية في أي مواجهة مقبلة.

ما سبق ليس تكهنات أو محض توقعات، بقدر ما هو رصد مستمر للاستعدادات، وقراءة للمعطيات الآخذة بالاتساع، إلى جانب التصريحات المتعددة التي تُشيطن إيران، والتي تأتي على لسان ترامب ونتنياهو، وهي عادةً ما تندرج في إطار صناعة المبرر والمسوغ الذي يُبنى عليه العدوان.

أعتقد أن الجمهورية الإسلامية في إيران باتت في موضع لا يمكنها تجنب هذا السيناريو إلا عبر مسارين أحلاهما مرّ: إما الإذعان، أو تقديم صفقة مغرية لساكن البيت الأبيض المغرم بالصفقات والربح السهل لتجاوز هذه المرحلة. إلا أن إيران، في حال فُرض عليها العدوان، تستطيع تقليل حجم الضرر الناتج إذا اتخذت إجراءات سياسية وأمنية صارمة، تنطلق من رؤية واقعية تهدف إلى حرمان الاحتلال الإسرائيلي من تحقيق أهدافه، وفي مقدمتها الحفاظ على القيادات المؤثرة، وسلاح الردع الصاروخي، وإدامة قنوات اتصال سريعة وآمنة مع الجمهور والعالم لتقديم الرواية الرسمية، إضافة إلى استثمار علاقاتها وقدراتها في الإقليم.

تراهن “إسرائيل” ومعها الولايات المتحدة على أن الضغط العسكري والنفسي قد يفضي إلى تفكك الجبهة الداخلية الإيرانية، مستندة إلى التحديات الاقتصادية والتنوع الإثني والسياسي داخل إيران. إلا أن هذا الرهان ليس جديداً، وقد سقط تاريخياً في تجارب سابقة، أبرزها الحرب العراقية–الإيرانية، حيث أظهر المجتمع الإيراني قدرة عالية على إعادة إنتاج التماسك الوطني عند التعرض لتهديد خارجي مباشر، بل وتحويل العدوان إلى عامل تعبئة داخلية يعزز من شرعية الدولة بدلاً من تقويضها.

ما بعد ذلك، في حال حصلت، ستكون المعركة معركة استنزاف لا تقوى “إسرائيل” على خوضها أمام جلد وقدرة الشعب الإيراني على التحمل والمواصلة في الرد على العدوان، وهو ما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تجنبه، استخلاصاً للعبرة من الحرب السابقة، التي ظهر فيها مكشوفاً أمام دقة وكثافة الصواريخ الإيرانية، والتي أصابت أهدافها بدقة بالغة رغم طبقات الحماية الدولية والإقليمية والمحلية التي وفّرت للكيان الإسرائيلي.

هذه الحرب لن تكون كسابقاتها من الحروب والمعارك بين الطرفين، خاصة مع ارتفاع إمكانية مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في مثل هذا العدوان جنباً إلى جنب مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وربما انضمام مزيد من الحلفاء، وهو ما يتطلب استعداد حلفاء إيران لتقديم دعم أكبر وأكثر وضوحاً من ذي قبل. ويأخذ هذا الدعم وجهين: الأول، يتمثل في مواقف سياسية واقتصادية واضحة وصريحة من الدول الحليفة، قد لا تكون عسكرية ميدانية، لكنها حاسمة وحيوية بالنسبة للكيان أو أحد أبرز حلفائه، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. ويُنظر هنا تحديداً إلى روسيا والصين وكوريا الشمالية، إضافة إلى العراق واليمن.
أما الوجه الثاني، فيتمثل في دور حلفاء إيران الإقليميين من التنظيمات والقوى اللادولتية، القادرة على ضرب مصالح الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في المشرق والمغرب العربي.

رغم التصعيد الخطابي الأمريكي المتكرر، إلا أن التورط المباشر للولايات المتحدة في حرب شاملة ضد إيران يبقى محكوماً بسقوف سياسية وعسكرية واقتصادية دقيقة. فواشنطن تدرك أن أي انخراط واسع قد يعرّض قواعدها العسكرية في المنطقة، وخطوط إمداد الطاقة العالمية، وأسواق النفط، لهزات عنيفة، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الداخل الأمريكي والانتخابات. لذلك يتأرجح السلوك الأمريكي غالباً بين دعم غير محدود لـ“إسرائيل” ومحاولة تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كلفة استراتيجية عالية.

يمكن تصور عدة سيناريوهات لطبيعة المواجهة المقبلة، تبدأ من ضربة محدودة عالية الدقة تهدف إلى توجيه رسالة ردعية، مروراً بحرب متعددة الجبهات تعتمد على الوكلاء والحروب غير المباشرة، وصولاً إلى مواجهة إقليمية واسعة في حال فقدت الأطراف القدرة على ضبط التصعيد. كما يبقى سيناريو التراجع التكتيكي مقابل صفقة سياسية قائماً، خاصة في ظل الطبيعة البراغماتية لإدارة ترامب، التي توازن دوماً بين استعراض القوة وتجنب الكلفة الباهظة.

دون شعور الاحتلال الإسرائيلي، وخلفه حليفته الأبرز الولايات المتحدة الأمريكية، بالخسارة وتعريض مصالحهم لتهديد جدي، وبالضرر الذي يمكن أن تجلبه قراراتهم وإجراءاتهم العدوانية، لن يتوقفوا، بل سيمعنون في العربدة والعدوان، ويضاعفون هجماتهم متجاهلين كل الأعراف والقوانين الدولية. أما إن شعروا أن نارهم التي يشعلونها في إيران أو في المنطقة ستلهب شعوبهم واقتصادهم، فسيرتدّون خانعين سريعاً. وقد أثبت الرئيس الأمريكي ترامب، كما هو عدواني ومتطرف، أنه سريع النكوص والعودة إذا تضمنت مجازفاته خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما حصل في قراره المفاجئ في اليمن ضد جماعة أنصار الله، بعد سلسلة الإخفاقات التي تعرض لها التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لفك حالة إسناد غزة.

أي عدوان محتمل على إيران سيجري خارج إطار الشرعية الدولية، في ظل غياب تفويض أممي أو مسوغ قانوني واضح، ما يعكس استمرار سياسة ازدواجية المعايير التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ويجري في العادة توظيف مفاهيم فضفاضة مثل “الدفاع عن النفس” لتبرير انتهاكات صارخة للقانون الدولي، الأمر الذي يفاقم حالة الفوضى في النظام الدولي ويقوض ما تبقى من قواعد تضبط سلوك الدول.

ختاماً، ووفق عديد التقارير والرؤى التحليلية المعتبرة والتصريحات والمواقف المعلنة، يعتقد الاحتلال الإسرائيلي أن الواقع الحالي، بوجود الرئيس الأمريكي ترامب، يمثل فرصة تاريخية للكيان لتحقيق أهداف استراتيجية لطالما حلم بتحقيقها. لذلك، من المرجح أن تشهد الفترة الحالية وحتى انتخابات الكيان أعمالاً عدوانية في أكثر من مكان في الإقليم والعالم.


مصنف في :