آخر الأخبار
وزير الخارجية الإيراني عراقجي: كنا نقاتل ارهابيين
أوامر للدفاع الجوي الإيراني بالاشتباك الفوري!
“لجنة إدارة غزة” الحاجة وأبرز التحديات
النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الأربعاء الموافق 14  يناير 2026         
القيادي بركة:تشكيل اللجنة سيعالج الأوضاع المعيشية والانسانية
هل تعتقد حقا” أن الغرق هو السقوط في الماء؟
وزير الخارجية المصري والفصائل الفلسطينية “يباركون” تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية
اللواء حسن شقير يستقبل سفير فنزويلا
الرئيس بري يستقبل الموفد الرئاسي الفرنسي
وزارة الصحة بغزة:ارتقاء شهداء بنيران جيش العدو

قلمي 🖊️ بندقيتي

نفترض عادة أن هناك طريقة واحدة «صحيحة» لفهم العالم طريقة واحدة للتركيز، للتعلم، للتفكير، للتواصل من لا يتبع هذه الطريقة يُعتبر «مختلفًا»، وأحيانًا «معطوبًا» لكن هذا الافتراض خاطئ من أساسه التنوع العصبي (Neurodiversity) ليس استثناءً يجب أن نتقبله بلطف هو بنية أساسية في كيفية عمل الإدراك البشري العقول المختلفة ليست نُسخًا معطلة من عقل «طبيعي»، بل أنماط معالجة بديلة لها تكاليفها ومزاياها السؤال الحقيقي ليس «كيف نساعد المختلفين؟» بل «ماذا نخسر حين نفترض أن الجميع يجب أن يفكروا بنفس الطريقة؟»
خذ التوحد (Autism) مثلًا.. الطفل المصاب بالتوحد قد يجد صعوبة في التواصل الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه قد يرى أنماطًا يتجاهلها الآخرون، ينتبه لتفاصيل دقيقة تفوتهم، يبني نماذج ذهنية بطريقة غير خطية. هذا ليس «موهبة نادرة تعوّض عن نقص»—هو ببساطة طريقة مختلفة في معالجة المعلومات الكثير من الاختراقات العلمية والتقنية جاءت من أشخاص يفكرون خارج الإطار الاجتماعي المعتاد، من عقول لا تقبل الحلول الجاهزة ولا تكتفي بالتفسيرات السطحية. أو خذ اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)ما يُعتبر «تشتتًا» في بيئة مدرسية صارمة قد يكون في الحقيقة مرونة معرفية عالية: القدرة على التنقل بسرعة بين سياقات مختلفة، الربط بين أفكار بعيدة، الاستجابة الفورية للمتغيرات. في عالم مستقر ومتوقع، هذا عيب—في عالم متقلب ومعقد، هذا تكيّف وعُسر القراءة (Dyslexia) الذي يجعل القراءة الخطية صعبة غالبًا ما يترافق مع قدرة فائقة على التفكير المكاني، التصور البصري ثلاثي الأبعاد، حل المشاكل الهندسية والمعمارية.
لماذا هذا مهم عمليًا؟ لأن الابتكار الحقيقي لا يأتي من عقول متطابقة. فريق من أشخاص يفكرون بنفس الطريقة سيصل دائمًا إلى نفس الحلول، سيرى نفس المشاكل، سيتجاهل نفس الاحتمالات. التنوع العصبي يفتح مساحات حلول لم تكن مرئية لأن العقل الذي يعالج المعلومات بطريقة مختلفة يرى العالم من زاوية مختلفة لكن أنظمتنا التعليمية، بيئات العمل، التفاعلات الاجتماعية—كلها مصممة لنمط إدراكي واحد. الطالب الذي لا يستطيع الجلوس ساكنًا لمدة ساعة يُعتبر «مشكلة»، الموظف الذي يحتاج إلى العمل في صمت تام بدل المكاتب المفتوحة يُعتبر «غير اجتماعي»، الطفل الذي يتعلم بصريًا بدل سمعيًا يُعتبر «متأخرًا» حين تفرض نمطًا واحدًا كمعيار، أنت لا تساعد «المختلفين»أنت تُعطّل قدراتهم الفعلية وتُهدر طاقة هائلة.
التاريخ يُثبت هذا. نيوتن، أينشتاين، نيكولا تيسلا، إميلي ديكنسون الكثير من العقول التي غيّرت العالم كانت على الأرجح ضمن طيف التنوع العصبي. لو طُبّق عليهم المعيار الاجتماعي الصارم لزمانهم، لو أُجبروا على «التكيّف» مع الطريقة «الصحيحة» في التفكير والعمل، لما أنتجوا ما أنتجوا. المشكلة أننا نتحدث عن التنوع العصبي كأنه «قبول» أو «تسامح»كأن المجتمع يتنازل بلطف عن معياره ليستوعب «الاستثناءات». لكن الحقيقة أعمق من هذا: لا يوجد معيار عصبي واحد «صحيح» ما نسميه «طبيعيًا» هو فقط الأكثر شيوعًا، وليس بالضرورة الأكثر فعالية أو الأكثر قيمة
التنوع العصبي مهم لأنه يكشف حدود افتراضاتنا عن كيفية عمل العقل حين تبني مجتمعًا يفترض أن الجميع يجب أن يعالجوا المعلومات بنفس الطريقة، يتعلموا بنفس الأسلوب، يتواصلوا بنفس الطريقة، أنت لا تبني مجتمعًا «فعّالًا»أنت تبني مجتمعًا أحادي البُعد، يُهدر معظم إمكانياته دون أن يدري. العقول المختلفة ليست مشكلة تحتاج إلى حل هي مورد نحتاج أن نفهم كيف نستخدمه.