كشفت صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة من لندن، السبت، أن حركة حماس تتجه خلال الأيام المقبلة إلى انتخاب رئيس عام جديد لمكتبها السياسي، في خطوة تهدف إلى سد الفراغ القيادي الذي خلفه اغتيال رئيس المكتب السابق يحيى السنوار. ويأتي هذا الاستحقاق بعد استشهاد السنوار خلال اشتباكات مباشرة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة رفح خلال شهر أكتوبر 2024، في واحدة من أبرز محطات المواجهة الميدانية خلال الحرب المستمرة.
وكان الشهيد السنوار قد تولى رئاسة المكتب السياسي عقب اغتيال الشهيد إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية طهران نهاية شهر يوليو من العام نفسه، في عملية اغتيال وُصفت حينها بأنها محاولة إسرائيلية مباشرة لإرباك البنية القيادية للحركة وضرب تماسكها السياسي والتنظيمي.
آلية الانتخابات
ونقلت الصحيفة عن مصادر قيادية داخل حركة حماس أن العملية الانتخابية لرئيس المكتب السياسي العام ستُجرى إما خلال الأسبوع المقبل، أو في غضون الأيام العشرة الأولى من شهر يناير المقبل. وأوضحت المصادر أن انتخاب نائب لرئيس المكتب قد يتم في الفترة ذاتها أو في مرحلة لاحقة، وفق ترتيبات داخلية خاصة، مرجحة أن يكون اختيار النائب بالتكليف وليس بالانتخاب المباشر.
وأكدت المصادر أن هذه الانتخابات ستجري وفق القوانين واللوائح الداخلية المعمول بها داخل الحركة منذ سنوات، مشددة على أن الأجواء التنظيمية التي تسبق الاستحقاق تتسم بـ”الأخوية والانضباط”، بعيدًا عن أي مظاهر انقسام أو صراع داخلي.
أسماء مرشحة
بحسب المصادر، فإن قائمة المرشحين المحتملين لقيادة حركة حماس تضم عددًا من الأسماء البارزة، في مقدمتهم خالد مشعل، إضافة إلى خليل الحية، إلى جانب شخصيات قيادية أخرى داخل الحركة. وأكدت المصادر أن عملية الاختيار ستتم ضمن إطار مؤسسي جماعي، وبما يضمن الحفاظ على وحدة القرار داخل المكتب السياسي.
ويعكس هذا التعدد في الأسماء، وفق تقدير المصادر، عمق الكادر القيادي للحركة، وقدرتها على إنتاج قيادة بديلة رغم الاستهداف الإسرائيلي المكثف الذي طال الصفين الأول والثاني خلال الحرب.
رسالة سياسية
أوضحت المصادر أن الهدف المركزي من انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي العام يتمثل في تعزيز الاستقرار الداخلي، وبعث رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن حركة حماس ما زالت متماسكة وقادرة على إدارة شؤونها السياسية والتنظيمية، واتخاذ قراراتها ضمن إطار جماعي متماسك.
وأكدت أن هذه الخطوة تأتي في سياق إفشال الرهان الإسرائيلي على إحداث فراغ قيادي طويل الأمد داخل الحركة، أو دفعها نحو التفكك نتيجة سياسة الاغتيالات التي استهدفت قياداتها خلال الحرب.
المجلس القيادي
وبيّنت المصادر أن انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي لن يعني إنهاء دور المجلس القيادي المؤقت الذي تشكّل عقب اغتيال كل من هنية والسنوار، موضحة أن هذا المجلس سيستمر في أداء مهامه بوصفه مجلسًا استشاريًا يتابع القضايا الداخلية والخارجية للحركة.
وأضافت أن المجلس سيبقى قائمًا حتى انتهاء ولايته المحددة في عام 2026، حيث يتم التشاور داخله بشأن مختلف الملفات السياسية والتنظيمية، بما يضمن استمرارية القرار المؤسسي وعدم تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد.
لا انتخابات شاملة
أكدت المصادر أنه لن تُجرى في المرحلة الحالية انتخابات كاملة للمكتب السياسي، مشيرة إلى أن هذا الاستحقاق الشامل يُتوقع أن يتم بعد نحو عام. كما شددت على أن الانتخابات المقبلة ستقتصر حصريًا على منصب رئيس المكتب السياسي العام، دون أن تشمل أي أطر تنظيمية أخرى داخل الحركة.
ويأتي هذا القرار في إطار إدارة انتقالية محسوبة، تراعي ظروف الحرب والتحديات الأمنية والتنظيمية المفروضة على الحركة، خاصة داخل قطاع غزة.
وضع غزة التنظيمي
وفيما يتعلق بمنصب رئيس المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، أوضحت المصادر أن خليل الحية يتولى حاليًا هذه المهمة بعد اغتيال السنوار. وأشارت إلى أنه في حال انتخاب الحية رئيسًا للمكتب السياسي العام، سيتم تكليف شخصية أخرى بديلاً له وفق آليات تنظيمية داخلية، وقد يكون من داخل القطاع نفسه.
ولفتت المصادر إلى أن عددًا من أعضاء المكتب السياسي في غزة تم تكليفهم بإدارة ملفات محددة، في ظل الفراغات التي خلفتها الاغتيالات الإسرائيلية، مؤكدة أن الحركة تعتمد حاليًا على توزيع مرن للمهام لضمان استمرارية العمل السياسي والأمني.
الاغتيالات والتعويض
وأشارت المصادر إلى أن إسرائيل اغتالت عددًا من أعضاء المكتب السياسي داخل قطاع غزة خلال الحرب، ما دفع الحركة إلى تكليف شخصيات أخرى بشكل مؤقت لتولي مهامهم، من بينهم أسرى محررون كانوا مقربين من يحيى السنوار ويتمتعون بثقة تنظيمية عالية.
وتأتي هذه الترتيبات في سياق مواجهة مباشرة مع سياسة الاغتيالات الإسرائيلية، التي استهدفت قيادات حماس داخل القطاع وخارجه، ومن أبرزهم إسماعيل هنية في طهران، ونائبه السابق صالح العاروري الذي اغتيل في لبنان خلال شهر يناير 2024.
إعادة بناء شاملة
ويشهد قطاع غزة، بالتوازي مع هذه التطورات، سلسلة واسعة من الترتيبات الإدارية والتنظيمية على المستويات القيادية الأولى والثانية، إضافة إلى المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والعسكرية. وتهدف هذه الخطوات إلى سد الشواغر التي خلفتها عمليات الاغتيال، وضمان استمرارية البنية التنظيمية للحركة رغم الحرب والحصار.
وتعكس هذه الإجراءات، بحسب تقديرات مراقبين، فشل استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي القائمة على “قطع الرأس القيادي”، مقابل قدرة حماس على إعادة إنتاج قيادتها وترميم هياكلها في قلب المواجهة المفتوحة.



