تتفجر أزمة التجنيد داخل الاحتلال مجددًا، وهذه المرة من قلب الشارع، بعدما أغلق متظاهرون من المتدينين المتشددين الطريق السريع رقم 4 في منطقة بني براك احتجاجًا على اعتقال طلاب المدارس الدينية الرافضين للخدمة العسكرية، في مشهد يعكس عمق التصدع بين مؤسسات الدولة والتيار الحريدي. تدخل الشرطة الإسرائيلية بالقوة لتفريق المحتجين لم يكن مجرد حدث أمني عابر، بل مؤشر واضح على انتقال الصراع حول التجنيد من أروقة السياسة والمحاكم إلى مواجهة مفتوحة في الفضاء العام، تهدد بتقويض التماسك الداخلي في وقت تعاني فيه إسرائيل من ضغوط أمنية وعسكرية غير مسبوقة.
أزمة التجنيد بين القانون والعقيدة
تعود جذور أزمة التجنيد إلى التناقض البنيوي بين الطابع الديني الذي يتمسك به الحريديم، وبين متطلبات الدولة العبرية التي تسعى لفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على جميع مواطنيها اليهود. فطلاب المدارس الدينية يرون أن دراسة التوراة تعادل الخدمة العسكرية، بل تتفوق عليها من حيث “حماية إسرائيل روحيًا”، بينما تعتبر المؤسسة الأمنية أن استمرار الإعفاءات الجماعية يقوض مبدأ “تقاسم الأعباء” ويُضعف الجيش في مرحلة تعتمد فيها إسرائيل على الاحتياط بشكل واسع.
بني براك كنقطة اشتعال رمزية
لم يكن اختيار بني براك مصادفة، فهي المعقل الأبرز للتيار الحريدي، وتحمل رمزية دينية واجتماعية عميقة. إغلاق الطريق السريع رقم 4، أحد الشرايين الحيوية في وسط إسرائيل، حمل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن أزمة التجنيد لم تعد قضية هامشية يمكن احتواؤها بقرارات قضائية أو تفاهمات حزبية. بل باتت ورقة ضغط ميدانية قادرة على شل الحركة وإرباك الحياة اليومية، في تحدٍ صريح لهيبة الدولة.
الشرطة بين فرض النظام وتأجيج الغضب
تدخل الشرطة الإسرائيلية لتفريق المتظاهرين بالقوة كشف عن معضلة مزدوجة، فمن جهة تسعى الأجهزة الأمنية لفرض القانون ومنع تعطيل الطرق، ومن جهة أخرى فإن استخدام القوة ضد المتدينين المتشددين يفاقم الشعور بالاضطهاد داخل أوساطهم. هذا المشهد يعمق فقدان الثقة بين الحريديم ومؤسسات الدولة، ويغذي خطابًا داخليًا يعتبر أن إسرائيل “تتنكر لهويتها الدينية” تحت ضغط المؤسسة العسكرية.
الحسابات السياسية لحكومة نتنياهو
تضع أزمة التجنيد حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار بالغ الحساسية. فالأحزاب الحريدية تمثل ركيزة أساسية في الائتلاف الحاكم، وأي تصعيد ضد جمهورها قد يهدد استقرار الحكومة نفسها. في المقابل، يتعرض نتنياهو لضغوط متزايدة من المؤسسة الأمنية ومن قطاعات علمانية ترى أن استمرار الإعفاءات غير مبرر في ظل الحرب وحالة الاستنفار. هذا التناقض يجعل الحكومة عالقة بين نارين، ويحول الأزمة إلى قنبلة سياسية موقوتة.
انعكاسات أمنية واجتماعية أوسع
لا تقف تداعيات أزمة التجنيد عند حدود الاحتجاجات، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية الإسرائيلية ككل. فتصاعد الغضب العلماني تجاه الحريديم يقابله تصلب ديني متزايد، ما يعمق الانقسام المجتمعي ويضعف ما تسميه إسرائيل “الجبهة الداخلية”. وفي ظل حرب طويلة واستنزاف بشري وعسكري، يصبح هذا الانقسام عامل ضعف استراتيجي قد تستثمره أطراف خارجية، أو ينعكس سلبًا على قدرة الجيش على الاستمرار.
أزمة بنيوية تتجاوز الحلول المؤقتة
تؤكد أحداث بني براك أن أزمة التجنيد لم تعد قابلة للاحتواء عبر تسويات مؤقتة أو تأجيلات قانونية. فالمواجهة الحالية تكشف عن صراع هوية عميق حول طبيعة الدولة نفسها، هل هي دولة دينية تحمي امتيازات فئة بعينها، أم دولة عسكرية تفرض الخدمة على الجميع دون استثناء. ومع استمرار الاعتقالات والاحتجاجات، يبدو أن إسرائيل مقبلة على مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تتحول أزمة التجنيد من ملف خلافي إلى عامل تفجير داخلي يهدد استقرارها السياسي والاجتماعي في آن واحد.



