عزات جمال
يستقبل كيان الاحتلال ألفاً من المؤثرين والمشاهير الإنجيليين الأميركيين، بعد أن أعدّ لهم برنامجاً مكثفاً يقوم على التلقين ويشمل محاضرات ولقاءات ومشاهدات وزيارات مختارة. ويهدف الاحتلال إلى استخدامهم لاحقاً “أبواق” مستغلاً منصاتهم الشخصية التي يتابعها الملايين، على تطبيقات مثل “تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وميتا”، ليكونوا أبواقاً في آلة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
وتعد هذه الخطوة أكبر عملية دعاية رقمية موجّهة ينفذها الكيان منذ تأسيسه، في محاولة لكسب “معركة الوعي” التي خسرها وجيشه الفاشي خسارة مدوية، بعدما علت صور بسالة وصمود الشعب الفلسطيني، وفروسية مقاوميه الأبطال، خاصة لدى الأجيال الشابة في أميركا وعبر العالم.
وتأتي هذه الجهود ضمن استخلاصات العبر وبتوجيه حكومي مباشر؛ إذ أعلن وزير خارجية الاحتلال رصد مبلغ 634 مليون دولار في موازنة عام 2026 لتحسين صورة الكيان في العالم. وسيخصص جزء من هذه المبالغ كمكافآت للمؤثرين، حيث سيحصل المؤثر الواحد بين 6100 و7300 دولار للمنشور الواحد. وقد كشفت وثائق أن الكيان ينظم حملات إعلامية رقمية تُدار عبر شركات علاقات عامة، منها Havas الألمانية وشركة Bridges Partners، في محاولة لتدارك ما يمكن تداركه، بعد أن خرج كثير من المؤثرين والمشاهير عن صمتهم ورفضوا جرائم الاحتلال الخسيسة والمروعة، التي ارتكبها جيش الإبادة ضد البشر والشجر والحجر في غزة، والتي أظهرت هذا الكيان على حقيقته؛ كيان “مجرم وسادي” يحكمه مرضى لا ينتمون للبشرية.
هذا الجهد الضخم، وغيره من المحاولات الحثيثة التي لا تتوقف سياسياً وثقافياً وإعلامياً واقتصادياً وقضائياً، يندرج ضمن مساعي تبرئة الاحتلال من جرائمه وغسل يديه من دمنا. كما يأتي هذا الجهد أيضاً في إطار محاولة إعادة دمجه في منطقتنا عبر التطبيع، وفي العالم من خلال إسقاط قرارات ملاحقة قادته كمجرمي حرب فارّين من العدالة، وإعادة إنتاج صورته كلاعب إقليمي ودولي مقبول. ويُراد بذلك تقديم “مشكلة الشعب الفلسطيني” كقضية إنسانية يجب أن تُحل بعيداً عن الكيان الذي يحارب ليعيش. هذا القلب للحقائق يجري للأسف على مرأى ومسمع العالم وبخطط تشرف عليها الولايات المتحدة، وأمام نظر الشعوب العربية والإسلامية وحكوماتها ومؤثريها ودعاتها وعلمائها وقادة الرأي فيها، الذين كان الأولى بهم أن يبادروا إلى مثل هذه التجمعات والأنشطة التي تناصر الشعب الفلسطيني وتهدف إلى تبني روايته وإيصالها بكل الفنون واللغات.
وبكل مرارة وأسف، نرى منذ وقف إطلاق النار انفضاضاً غير مبرر عن فلسطين وغزة وضعف للتضامن، وقد أصبح التضامن خجولاً لا يرقى إلى حجم المعاناة ولا إلى بشاعة الجريمة. فالواقع ما زال على حاله، إذ تحولت الإبادة من صاخبة إلى صامتة، ولم تتوقف مساعي التهجير التي لا تخطئها العين، وما زلنا نعيش في سجن كبير، فيما يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض.
أخيراً، نستطيع — بجهود أحباب فلسطين ومناصريها في كل مكان عبر العالم — تعزيز السردية الفلسطينية، ورفدها بمزيد من الزخم عبر إجراءات دعائية غير تقليدية. ويشمل ذلك حشد جهود كل المؤثرين، وهم كثر، واستثمار منصاتهم لتكون صوت الحرية والحق الفلسطيني، وإعادة ترجمة قصص المعاناة والبطولة لكل لغات العالم، وإنتاج المواد الإعلامية ونشرها، وحثّ نشطاء العالم ومؤثريه على رفض الأموال المغموسة بدماء الأطفال والأبرياء الذين قتلهم الكيان في غزة بكل سادية ووحشية. ويمكن تنفيذ هذه الجهود من قبل أفراد وجماعات وهيئات وجمعيات وحكومات ودول، وسيكون لها أثر كبير وملموس على السردية والواقع الفلسطيني.



