آخر الأخبار
وزير الخارجية الإيراني عراقجي: كنا نقاتل ارهابيين
أوامر للدفاع الجوي الإيراني بالاشتباك الفوري!
“لجنة إدارة غزة” الحاجة وأبرز التحديات
النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الأربعاء الموافق 14  يناير 2026         
القيادي بركة:تشكيل اللجنة سيعالج الأوضاع المعيشية والانسانية
هل تعتقد حقا” أن الغرق هو السقوط في الماء؟
وزير الخارجية المصري والفصائل الفلسطينية “يباركون” تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية
اللواء حسن شقير يستقبل سفير فنزويلا
الرئيس بري يستقبل الموفد الرئاسي الفرنسي
وزارة الصحة بغزة:ارتقاء شهداء بنيران جيش العدو

جـهـــاد حيدر

حين يعلن رئيس وزراء الـ.ـعـ.ـدو بنيامين نتنياهو، أنّ “إســرائـيـل لم تغيّر الشرق الأوسط فحسب، بل غيّرت ذاتها أيضًا”، وأنّ جيشها انتقل من “مرحلة الاحتواء إلى نهج المبادرة الدائمة”، فهو لا يكتفي بوصف واقعٍ عسـ.ـكر يّ أو سياسي، بل يسعى إلى صياغة رواية وجودية جديدة تعيد تثبيت صورة الـ..ـكـــيان الذي يجد نفسه اليوم أمام اختبارٍ بنيوي حقيقي يتعلق بقدرته على الحفاظ على تفوقه التاريخي.

هذا التحول الخطابي من نمط “الجولات المحدودة” إلى فلسفة “الحر ب المستمرة” لا ينطلق من فائض قوة، بل من تراكم تجارب قاسية خلال العقدين الماضيين. فمن حــرب 2006 في لبنان، إلى جولات غـ.ـزة المتكررة، مرورًا بتنامي قدرات محور المقـ.ـاومة وتطور البيئة الإقليمية بقيا دة إيران، أدركت “إســرائـيـل” تدريجيًا أن الحروب التي خاضتها لم توفر لها حسمًا عسـ.ـكر يًا ولا استقرارًا إستراتيجيًا. بل انتهى الأمر غالبًا بنتائج معاكسة: قوى مقـ.ـاومة أكثر تنظيمًا وتسلـ ـيحًا وثقة، في مقابل مجتمعٍ “إســـرائـيـلي” أعدّته قيادته لتحمل الخسائر، لكنه لم يختبر بعد تجربة صـ.ـو اريخ طويلة ومتواصلة على مراكز ثقله الحيوية، سوى بشكل نسبي.

وما إن ازدادت مؤشرات العجز عن تحصين الجبهة الداخلية في مـ..ـواجهة إيران، وقبلها بعدما نهضت المقـ.ـاومة الإسـ.ـلا مية من الضربات التي تعرضت لها، حتى أصبح أكثر تقبلاً لوقف الحر ب، رغم إدراكه أنها ستكون دون الحسم، ما يكشف حدّ المخاوف الكامنة.
في هذا السياق، تأتي دعوة نتنياهو إلى إعادة بناء “جيش كبير واحتياط موسع” كخطوة تتناقض مع خطاب يدّعي أنه خرج “منتصرًا”. فلو كانت “إســــرائـيـل” قد حسمت بالفعل، لماذا العودة إلى تعبئة جماهيرية شاملة؟ ولماذا تمديد الخدمة العسـ.ـكر ية؟ ولماذا التراجع عن فكرة “الجيش الذكي الصغير” إلى نموذج “جيش الأمة”؟
الحقيقة، أن “إســـ.ـرائـيـل” تكتشف بوضوحٍ متزايد أن معادلة الردع القديمة لم تعد نافذة بالمعنى الذي عرفت به. فهي اليوم تواجه خصومًا راكموا خبرات ميدانية وقدرات صـ.ـاروخية دقيقة وحـ..ـــرب مسيّرات متقدمة، مدعومين بدولة كإيران باتت لاعبًا إقليميًا واثقًا بنفسه وأكثر حضورًا. ومن هنا، تبدو “المبادرة الدائمة” محاولة للهروب من الزمن أكثر من كونها تعبيرًا عن قوة مطلقة؛ فالتأخير يسمح للخصم بتعزيز قدراته، ويقيد هامش التفوق “الإســـ.ـرائـيـلي”.
هذا التحول ليس إعلان ثقة مطلقة بالنصـ.ــر، بقدر ما هو تعبير عن إدراك أعمق لقيود القوة. “إســـ.ـرائـيـل” تتحرك لأنها فشلت في الحسم في لبنان وإيران، ولأنها تخشى المستقبل تجعل الجيش الكبير ضرورة لإدارة حـ..ـــربٍ طويلة لا خيار آخر أمامها إلا التهيؤ لها.
كما يسعى نتنياهو عبر خطابه إلى إعادة ترميم الجبهة الداخلية التي اهتز يقينها في 7 تشرين الأول. فالتركيز على “وحدة الجندي وعائلته” يعكس وعيًا أنّ المـ..ـواجهة المقبلة قد تتجاوز الحدود العسـ.ـكر ية التقليدية لتطاول الداخل والاقتصاد والهوية الوطنية نفسها.

نحن إذًا أمام انتقال من “إســـ.ـرائـيـل” التي كانت تراهن على تفوق نوعي وتكنولوجي كاسح، إلى “إســـ.ـرائـيـل” تُعيد صياغة نفسها كـ”دولة حـ..ـــرب طويلة المدى”، تخشى استنزاف الزمن وتراجع الردع. في هذا الإطار، تبدو “المبادرة الدائمة” محاولة لتجنب الانحدار وليس اندفاعًا واثقًا نحو نصـ.ــرٍ وشيك، محفوف بمخاطر تآكل المناعة المجتمعية.

يبقى السؤال: هل تملك القيا دة “الإســـ.ـرائـيـلية” تصورًا واضحًا حول نتائج خيارها هذا؟ فالدخول في مسار صراع مفتوح طويل الأمد، محفوف بمتغيرات سياسية وميدانية قد تقلب المعادلات، ويطرح احتمال أن تكون “إســـ.ـرائـيـل” قد اختارت الطريق؛ لأن البدائل ضاقت دون ضمان الوصول.

في المحصلة، رغم محاولات إضفاء طابع الانتـ.ــصـار على خطابها، تُدرك “إســـ.ـرائـيـل” أن نموذج “الانتـ.ــصـار التقليدي” لم يعد قابلًا للتحقق، وأن استمرار دورها المهيمن يتطلب إعادة تعريف ذاتها وأدواتها وإستراتيجيتها. ومع أن المسار الذي اختارته يعكس خشية وجودية لا يمكن إخفاؤها، فإن التجربة تُظهر في المقابل قدرة محور المقـ.ـاومة على التكيّف وتطوير أدوات مـ..ـواجهة تلائم تحولات الـ.ـعـ.ـدو، وهو ما يبقي الصراع مفتوحًا على احتمالات تتجاوز حسابات القوة الصلبة وحدها، تصبح فيها الكلمة الأخيرة للأصلب إرادة.


مصنف في :