قَــلـمـي🖊️ بـُنــدقــيــتـي

بقلم: علي بركة
رئيس دائرة العلاقات الوطنية لحركة حماس بالخارج

في الذكرى الثانية لاستشهاد القائد الكبير يحيى السنوار، «أبو إبراهيم» رحمه الله تعالى، نستحضر قائداً استثنائياً ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، وقاد طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وظل حتى لحظاته الأخيرة حاضراً في ميدان المواجهة، إلى أن ارتقى شهيداً في اشتباك مباشر مع قوات الاحتلال الصهيوني في رفح، يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
عامان مضيا على الرحيل، لكن الحضور لم يغب، والذاكرة لم تنطفئ. فما زال أبو إبراهيم حاضراً في وجدان شعبنا الفلسطيني وفي ذاكرة رفاقه وأبناء شعبه، بما مثّله من تجربة قيادية وسياسية وميدانية، وبما تركه استشهاده من دلالات في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية.

لم يكن أبو إبراهيم مجرد قائد سياسي أو ميداني؛ فقد كانت حياته رحلة طويلة من المواجهة والأسر والصبر والعمل الوطني، حتى وصل إلى موقع القيادة في واحدة من أشد المراحل قسوة في تاريخ فلسطين. عاش معاناة الأسرى، وعرف قسوة السجون، وحمل همّ شعبه وقضيته، وظل متمسكاً بحق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال.

ولعل أبرز ما يستوقفنا في ذكرى استشهاده هو موقفه في الميدان حتى اللحظة الأخيرة، فقد كان بإمكانه الاختباء في الأنفاق والابتعاد عن المواجهة المباشرة، لكنه أبى إلا أن يبقى مع المقاتلين، يواجه قوات الاحتلال في الميدان، حتى ارتقى شهيداً في ساحة الاشتباك.

إن هذه الصورة تختصر جانباً أساسياً من إرث أبي إبراهيم القيادي: أن القائد الذي يتحدث عن الصمود يتحمل مسؤوليته في أصعب اللحظات، وأن القيادة ليست موقعاً أو لقباً، بل مسؤولية وموقف والتزام. لقد انتهت رحلته باستشهاده في الميدان، لكنه ترك وراءه أسئلة ودروساً عن معنى القيادة، وعن العلاقة بين القائد والمقاتلين، وعن الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون في معركتهم الطويلة من أجل الحرية.

وبوصفه قائد طوفان الأقصى، سيبقى السنوار شخصية محورية في قراءة التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر. وستظل تجربته، بما لها من أبعاد سياسية وميدانية وما ارتبط بها من نتائج وتداعيات هائلة على شعبنا، موضع دراسة ونقاش، لأن فهم تلك المرحلة يقتضي النظر إلى قراراتها ومجرياتها ونتائجها، وإلى التضحيات الهائلة التي دفعها الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة.

لقد أراد الاحتلال باغتيال القادة وتدمير البنية التنظيمية والمجتمعية، أن يكسر إرادة شعبنا وينهي قضيته، لكن القضية الفلسطينية أوسع من الأشخاص، وأعمق من أن تنتهي باستشهاد قائد. فالشعوب التي تناضل من أجل حقوقها الوطنية لا تفقد حقها باستشهاد قادتها، وتبقى مسؤولية الأحياء أن يصونوا شعبهم، ويحفظوا وحدته، ويواصلوا العمل من أجل حريته وكرامته وحقوقه المشروعة.
إن الوفاء الحقيقي لأبي إبراهيم ولكل شهداء فلسطين لا يكون بالكلمات وحدها، بل بحفظ الذاكرة الوطنية، وتعزيز وحدة الصف الفلسطيني، وحماية شعبنا، والعمل على وقف العدوان وإنهاء الاحتلال، وتثبيت حقوق شعبنا الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال.
وفي هذه الذكرى، نستحضر أبا إبراهيم الإنسان والأسير والقائد، ونستحضر معه جميع شهداء شعبنا، وفي مقدمتهم القادة الذين ارتقوا خلال الطوفان المبارك، في هذه المرحلة القاسية من تاريخ فلسطين، ونجدّد العهد بأن نواصل مسيرة المقاومة، وأن تظل تضحياتهم حاضرة في الوعي الوطني، وأن تبقى القدس وفلسطين قبلة جهادنا، فلن نتراجع عن استعادة حقوق شعبنا كاملة مهما بلغت التضحيات.

سلامٌ على روحك يا أبا إبراهيم، وسلامٌ على روح كل شهيد ارتقى دفاعاً عن شعبه وأرضه ومقدساته.

رحمك الله، وتقبّلك في عليين، وجعل ذكراك حاضرة في ضمير الأجيال، حتى ينال شعبنا الفلسطيني حريته، ويستعيد حقوقه، ويحقق تطلعاته في التحرير والعودة والاستقلال.
رحل قائد طوفان الأقصى، وبقيت فلسطين. غاب الجسد الذي واجه الاحتلال في الميدان، وبقيت ذكراه في ذاكرة شعب لا ينسى شهداءه…


مصنف في :