فؤاد بكر
تطرح حادثة مقتل الشاب اللبناني إليو أبو حنّا في مخيّم شاتيلا جملة من التساؤلات حول خلفياتها وأبعادها السياسية والإعلامية، في ظلّ تعاطٍ إعلامي بدا موجّهًا وانتقائيًا، تجاهل تاريخًا طويلًا من جهود اللاجئين الفلسطينيين في مكافحة آفة المخدرات داخل المخيم. فالإعلام اللبناني، الذي سارع إلى تسليط الضوء على الحادثة الأخيرة، أغفل مئات المظاهرات والأنشطة التوعوية التي نظمتها المؤسسات الفلسطينية في السنوات الماضية ضد تجار المخدرات، كما تجاهل عشرات الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا نتيجة هذه الآفة.
الملابسات الغامضة لدخول إليو أبو حنّا المخيم
تفيد الرواية الإعلامية اللبنانية بأنّ إليو دخل مخيم شاتيلا عن طريق الخطأ أثناء توجهه من بدارو، غير أن هذه الرواية تثير الكثير من الشكوك. فالمعروف جغرافيًا أنّ طريق بدارو لا يمر إطلاقًا باتجاه المخيم، وتحديدًا من جهة الغبيري، كما أن نظام (GPS) لا يعمل داخل المخيم بسبب طبيعة أزقّته وضيقها. والسؤال هنا: كيف تمكن إليو من التوغل بسيارته في تلك الشوارع المعقّدة بسرعة فائقة، من دون أن يحاول الاستفسار من المارة أو العودة إلى الطريق العام؟
تؤكد معطيات من داخل المخيم أنّ الحاجز الأمني الذي أطلق النار كان تابعًا للقوة الأمنية الفلسطينية المشتركة، التي تعمل بالتنسيق مع الأجهزة اللبنانية ضمن إطار حملة لمكافحة تجارة المخدرات. ورغم أنّ إطلاق النار لم يكن الخيار الأمثل، فإنّ تصرف السائق المريب وسرعته غير المعتادة أثارا الشكوك لدى أفراد الحاجز، خصوصًا في ظلّ عمليات أمنية سابقة استهدفت تجار المخدرات.
التحريض الإعلامي والسياسي
بدل أن تنتظر وسائل الإعلام نتائج التحقيق الرسمي، سارعت بعض المنابر السياسية إلى استثمار الحادثة للتحريض ضد اللاجئين الفلسطينيين. وتم تصوير المخيم وكأنه بؤرة تهدد الأمن اللبناني، في استعادة لخطاب الكراهية الذي يعود إلى زمن الحرب الأهلية عام 1975. وبرز في هذا السياق خطاب بعض الشخصيات السياسية ذات الانتماء الطائفي الذي ما زال يحمل عداءً موروثًا تجاه الفلسطينيين، ولا سيّما بعد تولّي المحامي زياد أسود (قريب الضحية ومنتمي إلى تيار سياسي مسيحي) متابعة القضية.
تساؤلات حول توقيت الحادثة وأهدافها
تزامنت الحادثة مع تحركات أمنية لبنانية لمكافحة المخدرات في مناطق عدة، منها مخيم شاتيلا. وقد أعقبها اكتشاف جريمة أخرى داخل المخيم، حيث وُجدت جثة فتاة قتلت على يد تجار مخدرات – أربعة سوريين ولبناني – أوقفتهم شعبة المعلومات. كما ضُبطت امرأة لبنانية تقود سيارة حمراء وتحمل كميات من المخدرات مدعيةً أنها “أضاعت الطريق” إلى جونية. هذه الأحداث المتتابعة تفتح الباب أمام فرضيات عدّة، منها احتمال أن تكون جهات إجرامية أو سياسية قد سعت لتوتير الوضع داخل المخيم وتشويه صورة اللاجئين.
موقف الأجهزة الفلسطينية واللبنانية
استجابت القوة الأمنية الفلسطينية بسرعة، فسلّمت ستة من عناصرها الذين تواجدوا عند الحاجز إلى السلطات اللبنانية للتحقيق، في خطوة تؤكد حرصها على الشفافية والتعاون مع الدولة اللبنانية. كما أغلقت القوى الفلسطينية مخازن تجار المخدرات داخل المخيم وصادرت بضائعهم، في حين ما زالت الأجهزة اللبنانية عاجزة عن الوصول إلى المورّدين الكبار خارج المخيم، الذين يمدّون السوق بالمخدرات من مناطق لبنانية مختلفة.
خاتمة: بين العدالة والفتنة السياسية
إنّ سرعة إصدار الأحكام السياسية والإعلامية قبل انتهاء التحقيقات الرسمية تثير الريبة، خاصة وأن التركيز انصب على “السلاح الفلسطيني” بدلاً من مناقشة أصل المشكلة المرتبطة بتجارة المخدرات العابرة للمناطق. من هنا، يصبح من الضروري انتظار نتائج التحقيق القضائي اللبناني لتبيان الحقيقة كاملة، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو طائفي.
إنّ استغلال هذه الحادثة لإعادة إحياء خطابات التحريض واستدعاء ذاكرة الحرب الأهلية يشكّل خطرًا على السلم الأهلي اللبناني والفلسطيني معًا. المطلوب اليوم هو الحكمة، والتمسك بالحقيقة، ورفض الانجرار وراء دعوات الكراهية التي لا تخدم سوى القوى المفلسة سياسيًا، والتي تبحث عن مكاسب زائفة على حساب الدماء والعدالة./10/2025
حادثة إليو أبو حنّا في مخيّم شاتيلا: بين الحقيقة والاستغلال السياسي
تطرح حادثة مقتل الشاب اللبناني إليو أبو حنّا في مخيّم شاتيلا جملة من التساؤلات حول خلفياتها وأبعادها السياسية والإعلامية، في ظلّ تعاطٍ إعلامي بدا موجّهًا وانتقائيًا، تجاهل تاريخًا طويلًا من جهود اللاجئين الفلسطينيين في مكافحة آفة المخدرات داخل المخيم. فالإعلام اللبناني، الذي سارع إلى تسليط الضوء على الحادثة الأخيرة، أغفل مئات المظاهرات والأنشطة التوعوية التي نظمتها المؤسسات الفلسطينية في السنوات الماضية ضد تجار المخدرات، كما تجاهل عشرات الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا نتيجة هذه الآفة.
الملابسات الغامضة لدخول إليو أبو حنّا المخيم
تفيد الرواية الإعلامية اللبنانية بأنّ إليو دخل مخيم شاتيلا عن طريق الخطأ أثناء توجهه من بدارو، غير أن هذه الرواية تثير الكثير من الشكوك. فالمعروف جغرافيًا أنّ طريق بدارو لا يمر إطلاقًا باتجاه المخيم، وتحديدًا من جهة الغبيري، كما أن نظام (GPS) لا يعمل داخل المخيم بسبب طبيعة أزقّته وضيقها. والسؤال هنا: كيف تمكن إليو من التوغل بسيارته في تلك الشوارع المعقّدة بسرعة فائقة، من دون أن يحاول الاستفسار من المارة أو العودة إلى الطريق العام؟
تؤكد معطيات من داخل المخيم أنّ الحاجز الأمني الذي أطلق النار كان تابعًا للقوة الأمنية الفلسطينية المشتركة، التي تعمل بالتنسيق مع الأجهزة اللبنانية ضمن إطار حملة لمكافحة تجارة المخدرات. ورغم أنّ إطلاق النار لم يكن الخيار الأمثل، فإنّ تصرف السائق المريب وسرعته غير المعتادة أثارا الشكوك لدى أفراد الحاجز، خصوصًا في ظلّ عمليات أمنية سابقة استهدفت تجار المخدرات.
التحريض الإعلامي والسياسي
بدل أن تنتظر وسائل الإعلام نتائج التحقيق الرسمي، سارعت بعض المنابر السياسية إلى استثمار الحادثة للتحريض ضد اللاجئين الفلسطينيين. وتم تصوير المخيم وكأنه بؤرة تهدد الأمن اللبناني، في استعادة لخطاب الكراهية الذي يعود إلى زمن الحرب الأهلية عام 1975. وبرز في هذا السياق خطاب بعض الشخصيات السياسية ذات الانتماء الطائفي الذي ما زال يحمل عداءً موروثًا تجاه الفلسطينيين، ولا سيّما بعد تولّي المحامي زياد أسود (قريب الضحية ومنتمي إلى تيار سياسي مسيحي) متابعة القضية.
تساؤلات حول توقيت الحادثة وأهدافها
تزامنت الحادثة مع تحركات أمنية لبنانية لمكافحة المخدرات في مناطق عدة، منها مخيم شاتيلا. وقد أعقبها اكتشاف جريمة أخرى داخل المخيم، حيث وُجدت جثة فتاة قتلت على يد تجار مخدرات – أربعة سوريين ولبناني – أوقفتهم شعبة المعلومات. كما ضُبطت امرأة لبنانية تقود سيارة حمراء وتحمل كميات من المخدرات مدعيةً أنها “أضاعت الطريق” إلى جونية. هذه الأحداث المتتابعة تفتح الباب أمام فرضيات عدّة، منها احتمال أن تكون جهات إجرامية أو سياسية قد سعت لتوتير الوضع داخل المخيم وتشويه صورة اللاجئين.
موقف الأجهزة الفلسطينية واللبنانية
استجابت القوة الأمنية الفلسطينية بسرعة، فسلّمت ستة من عناصرها الذين تواجدوا عند الحاجز إلى السلطات اللبنانية للتحقيق، في خطوة تؤكد حرصها على الشفافية والتعاون مع الدولة اللبنانية. كما أغلقت القوى الفلسطينية مخازن تجار المخدرات داخل المخيم وصادرت بضائعهم، في حين ما زالت الأجهزة اللبنانية عاجزة عن الوصول إلى المورّدين الكبار خارج المخيم، الذين يمدّون السوق بالمخدرات من مناطق لبنانية مختلفة.
خاتمة: بين العدالة والفتنة السياسية
إنّ سرعة إصدار الأحكام السياسية والإعلامية قبل انتهاء التحقيقات الرسمية تثير الريبة، خاصة وأن التركيز انصب على “السلاح الفلسطيني” بدلاً من مناقشة أصل المشكلة المرتبطة بتجارة المخدرات العابرة للمناطق. من هنا، يصبح من الضروري انتظار نتائج التحقيق القضائي اللبناني لتبيان الحقيقة كاملة، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو طائفي.
إنّ استغلال هذه الحادثة لإعادة إحياء خطابات التحريض واستدعاء ذاكرة الحرب الأهلية يشكّل خطرًا على السلم الأهلي اللبناني والفلسطيني معًا. المطلوب اليوم هو الحكمة، والتمسك بالحقيقة، ورفض الانجرار وراء دعوات الكراهية التي لا تخدم سوى القوى المفلسة سياسيًا، والتي تبحث عن مكاسب زائفة على حساب الدماء والعدالة.



