قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:عمر نشابة
-صحيفة الأخبار
استشهد ابنك في غارة إسرائيلية؟ دُمّر منزلك؟ أُحرقت أرضك؟ خُطف والدك أو شقيقك واقتيد إلى سجون العدو الإسرائيلي؟
ربما صوّرت ما جرى بهاتفك. ربما شاهد العالم صور الضحايا والركام. ربما ظهر اسم بلدتك في نشرات الأخبار وصدر بيان يستنكر الجريمة وأُضيف عدد الضحايا إلى تقرير حقوقي ثم انتقل الجميع إلى خبر آخر. فبعد أن تنطفئ الكاميرات ويتوقف الحديث عن المجزرة نسأل هل لدينا ما يكفي من الأدلة لمحاكمة الذين ارتكبوا الجريمة أمام القضاء؟
قد تكون الإجابة صادمة: لدينا آلاف الصور والفيديوهات والشهادات والتقارير عن الجرائم التي ارتكبها جيش العدو الإسرائيلي في لبنان منذ تشرين الأول 2023 لكن ذلك لا يعني أن لدينا آلاف الملفات القضائية الجاهزة للتحقيق والملاحقة وهنا تكمن المشكلة التي يفترض أن نتوقف عندها قبل أن يصبح الوقت عدواً للأدلة، بعدما كان العدو سبباً في وقوع الجرائم.
الصورة التي هزّت العالم قد لا تكفي لإدانة المجرم..
منذ ثلاث سنوات، أُعلنت مبادرات كثيرة لتوثيق الجرائم الإسرائيلية في لبنان. ونُشرت إحصاءات عن الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة والأراضي المحروقة والقرى التي تحولت إلى ركام. وبُذلت جهود مهمة من صحافيين ومصورين وباحثين ومؤسسات حقوقية وإنسانية. هذه الجهود ضرورية، لكنها ليست كافية. فهناك فرق كبير بين أن تُقنع الرأي العام بأن جريمة وقعت، وأن تثبت أمام هيئة قضائية مستقلة من ارتكبها، وكيف ارتكبها، ومن أصدر الأوامر أو ساهم في تنفيذها.
قد نشاهد صورة لطفل قُتل تحت أنقاض منزله فندرك حجم الألم لكن القاضي يحتاج إلى أكثر من ذلك: متى وقع القصف؟ ما طبيعة السلاح المستخدم؟ من كان داخل المنزل؟ هل كان هناك هدف عسكري؟ ماذا شاهد الناجون؟ ما الذي أثبته الطبيب الشرعي؟ وماذا يقول الخبير العسكري عن بقايا المقذوفات واتجاه الضربة؟ وهل يمكن تحديد الأشخاص المسؤولين عن الهجوم؟
لا يكفي أن نقول ان جيش العدو الإسرائيلي دمّر منزلاً، ينبغي أن نثبت بالوقائع والأدلة كيف وقع التدمير ومن كان داخل المنزل ومحيطه، ومن أصيب أو استشهد، وما هي الأضرار التي نتجت عنه. وهذا لا يتم بجمع الصور وحدها ولا بإجراء مقابلات صحافية مع الضحايا ولا بإصدار بيانات الإدانة مهما كانت صادقة ومؤثرة.
التوثيق يخبرنا بما جرى. أما التحقيق القضائي فيبحث عن الأدلة التي تسمح بإثبات ما جرى ومحاسبة المرتكبين.
ماذا لو سأل القاضي: أين الدليل؟
لنتخيّل عائلة نجت من قصف منزلها. بعد الاعتداء، حضر الصحافيون والمصورون، وانتشرت الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد أشهر، أُزيل الركام وأُعيد ترميم ما أمكن ترميمه. لكن لم يستمع أحد إلى الناجين بطريقة مهنية ولم تُحفظ التسجيلات الأصلية لكاميرات المراقبة ولم يُكشف على موقع الانفجار بواسطة خبير جنائي ولم تُنظّم خريطة هندسية للمبنى قبل تدميره وبعده. وبعد سنوات، تقرر العائلة التقدم بشكوى قضائية. أين الشهود؟ هل يتذكرون التفاصيل؟ أين تسجيلات الكاميرات؟ ماذا حلّ ببقايا المقذوفات؟ من يستطيع أن يثبت الموقع الدقيق للضحايا ساعة وقوع الاعتداء؟ وكيف يمكن التمييز بين الأضرار الناتجة عن الضربة والأضرار التي حصلت لاحقاً؟ يمكن التحقيق لكن المهمة ستكون أصعب بكثير. لهذا السبب، ينبغي جمع الأدلة في أقرب وقت ممكن من وقوع الجريمة بواسطة أشخاص مؤهلين وبطريقة تسمح بالتحقق من مصادر المعلومات وصحتها وسلامة حفظها.
الملف القضائي الجدي يحتاج إلى إفادات شهود وضحايا مسجلة ومدونة وفق الأصول المهنية وتقارير طبية وشرعية وتحقيقات جنائية علمية وخبرات عسكرية وخرائط يضعها مهندسون محترفون وتقديرات موثقة للأضرار والخسائر. ويحتاج أيضاً إلى محامين ومحققين وخبراء في إدارة مسرح الجريمة واستثماره يعملون بصورة متكاملة بحيث لا تتحول المعلومات المتفرقة إلى مجموعة أوراق يصعب استخدامها أمام القضاء. والأهم أن يُجمع كل ذلك في ملف واضح يستطيع القاضي أن يتتبّع من خلاله مصدر كل دليل وملابساته وصلته بالجريمة.


