قَــلـمـي🖊️ بـُنــدقــيــتـي

بقلم:د. أحمد العرامي

الوطن العربي بين هندسة القرن العشرين ومخاض الربع الأول من القرن الحادي والعشرين وفلسطين في قلب الصراع..شهد الربع الأول من القرن العشرين واحدة من أكثر المراحل تأثيراً في تشكيل البنية السياسية والجغرافية للعالم العربي الحديث، فقد تزامنت نهاية الدولة العثمانية مع صعود النفوذ الأوروبي وتوسع المصالح البريطانية والفرنسية في المشرق العربي وشمال إفريقيا، وأصبحت المنطقة مجالاً لإعادة ترتيب الحدود ومراكز النفوذ وموازين القوى وفق تصورات القوى الدولية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وأسهمت التفاهمات والاتفاقيات والمشروعات السياسية التي ظهرت خلال تلك المرحلة في رسم خريطة جديدة للمنطقة، ارتبطت بصورة خاصة بالتفاهم البريطاني الفرنسي حول مناطق النفوذ، وبالانتدابات التي أعقبت الحرب، وبإنشاء كيانات سياسية وحدود إقليمية ما زالت آثارها حاضرة في الواقع العربي المعاصر.
وفي قلب هذه التحولات برزت فلسطين باعتبارها إحدى أهم القضايا التي تداخلت فيها المصالح الدولية بالمشروع الصهيوني وبمستقبل المنطقة العربية. فقد مثّل وعد بلفور عام 1917 محطة مفصلية في تطور القضية الفلسطينية، ثم جاءت مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين لتمنح المشروع الصهيوني إطاراً سياسياً وقانونياً ساهم في تغيير البنية الديموغرافية والسياسية للبلاد، وصولاً إلى إعلان قيام كيان العدو الإسرائيلي عام 1948 وما رافقه من تهجير واسع للفلسطينيين وتحول القضية الفلسطينية إلى قضية عربية اسلامية مركزية ارتبطت بها أبعاد سياسية وأمنية وقومية وإنسانية متشابكة.
وخلال النصف الثاني من القرن العشرين استمرت المنطقة في التحول تحت تأثير الصراع الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والحروب العربية مع العدو الإسرائيلي، وصعود الحركات القومية والتحررية، ثم التحولات التي أعقبت حرب عام 1967، واتفاقيات كامب ديفيد، والثورة الإيرانية، والحرب العراقية، والغزو العراقي للكويت، وحرب الخليج، وصولاً إلى نهاية الحرب الباردة وبداية مرحلة الهيمنة الأمريكية الأوسع على النظام الدولي وفي مختلف هذه المحطات ظلت فلسطين حاضرة في الوعي السياسي العربي باعتبارها قضية مرتبطة بالسيادة والأمن والهوية ومستقبل النظام الإقليمي.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين دخل الوطن العربي مرحلة جديدة اتسمت بتغير طبيعة التدخلات الدولية وتعدد أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية. وأصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأكثر حضوراً في إدارة عدد كبير من الملفات الإقليمية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والحرب على أفغانستان، ثم غزو العراق عام 2003. وأعادت تلك التطورات صياغة البيئة الاستراتيجية في المنطقة، وفتحت مسارات جديدة للصراعات الداخلية والإقليمية، وأثرت في توازنات القوى وفي طبيعة العلاقات بين الدول والمجتمعات والحركات السياسية المختلفة.
وخلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهد العالم العربي موجة الاحتجاجات والاضطرابات التي بدأت عام 2010 وامتدت إلى عدد من الدول العربية، ثم تحولت في بعض الحالات إلى صراعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية واسعة. وتداخلت خلال هذه المرحلة عوامل داخلية تتعلق بالاقتصاد والحكم والفساد والبطالة والأوضاع الاجتماعية مع عوامل إقليمية ودولية تتعلق بالأمن والطاقة والنفوذ والتحالفات. وأدى استمرار الصراعات في عدد من البلدان إلى تغيرات عميقة في موازين القوى، وإلى ظهور أدوار جديدة لقوى إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي جعل المنطقة تعيش حالة متواصلة من إعادة التشكل.
ومع اقتراب الربع الأول من القرن الحادي والعشرين من نهايته، أصبحت المنطقة العربية أمام مشهد أكثر تعقيداً تتداخل فيه التحولات الجيوسياسية مع التطور التكنولوجي والحرب الاقتصادية والحرب الإعلامية وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. وأصبحت أدوات التأثير في الدول والمجتمعات تتجاوز الجيوش والقواعد العسكرية لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتكنولوجيا، والفضاء السيبراني، والإعلام، وشبكات الاتصال، والتحالفات الأمنية، والتعاون الاقتصادي، واتفاقيات التطبيع والعلاقات الإقليمية الجديدة. وفي هذا السياق أخذت المنطقة تتحرك داخل عملية تاريخية مفتوحة تتداخل فيها المشاريع الدولية والإقليمية مع إرادات الشعوب والدول والقوى السياسية المحلية.
وفي قلب هذا المخاض الممتد عبر أكثر من قرن ظلت فلسطين تحتفظ بموقع محوري في الوعي العربي، وإن اختلفت أشكال التعامل معها من مرحلة إلى أخرى. فقد انتقلت القضية من مواجهة المشروع الصهيوني خلال فترة الانتداب البريطاني إلى حروب عربية إسرائيلية، ثم إلى مرحلة المقاومة الفلسطينية، ثم إلى مسارات التسوية والمفاوضات، وصولاً إلى مرحلة الانقسام الفلسطيني والحصار والحروب المتكررة على قطاع غزة، مع استمرار الاستيطان الإسرائيلي وتغير موازين القوى الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية.
وجاءت أحداث طوفان الأقصى السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب واسعة في قطاع غزة لتعيد فلسطين إلى مركز المشهد الإقليمي والدولي، وتكشف حجم التشابك بين القضية الفلسطينية وبين التحالفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية في ما أسموه بالشرق الأوسط. كما أعادت الحرب النقاش حول مستقبل النظام الإقليمي، وحدود الدور الأمريكي، وطبيعة العلاقات العربية مع كيان العدو الإسرائيلي، ومستقبل القضية الفلسطينية، ودور القوى الإقليمية والدولية في تحديد مساراتها. وأصبحت تداعيات الحرب تمتد إلى ملفات الملاحة في البحر الأحمر، والعلاقات الأمريكية الإيرانية، وأمن المنطقة، والتوازنات العسكرية والسياسية في غرب آسيا.
وعند قراءة القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين ضمن مسار تاريخي واحد، يمكن ملاحظة انتقال مركز الثقل في إدارة المنطقة من مرحلة الهيمنة البريطانية والفرنسية المباشرة وغير المباشرة إلى مرحلة النفوذ الأمريكي الواسع ضمن نظام دولي أكثر تعقيداً وتعددية. كما يمكن ملاحظة أن الحدود والكيانات والتحالفات التي تشكلت خلال القرن العشرين ظلت تؤثر في أزمات القرن الحادي والعشرين، بينما أضافت التحولات الجديدة عناصر أخرى تتعلق بالطاقة والتكنولوجيا والأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وتظل فلسطين في هذا السياق أكثر من ملف إقليمي منفصل، فقد ارتبط تاريخها منذ بدايات القرن العشرين بالتحولات الكبرى التي أصابت المشرق العربي وبطبيعة العلاقة بين القوى الدولية والمنطقة. ومن وعد بلفور والانتداب البريطاني إلى قيام كيان العدو الإسرائيلي عام 1948، ومن حروب 1948 و1967 و1973 إلى الانتفاضات والمفاوضات والحصار والحروب المتكررة، وصولاً إلى حرب غزة منذ عام 2023، ظلت القضية الفلسطينية حاضرة في قلب التحولات التي شهدها النظام العربي والإقليمي.
وهكذا يدخل الوطن العربي الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين وهو يحمل إرث قرن كامل من إعادة تشكيل الحدود وموازين القوى والمشروعات الدولية والصراعات الإقليمية، فيما تستمر المنطقة في البحث عن صيغة جديدة لعلاقاتها الداخلية والخارجية. وفي هذا المشهد تبقى فلسطين إحدى أهم القضايا التي تكشف طبيعة الصراع على مستقبل المنطقة، لأنها تتقاطع فيها مسألة الأرض والهوية والسيادة والأمن والتحالفات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني، كما تتقاطع فيها التحولات التاريخية التي بدأت مع إعادة رسم المنطقة في مطلع القرن العشرين مع التحولات الجارية في النظام الإقليمي والدولي في القرن الحادي والعشرين.


مصنف في :