قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم: حيدر الشمري

لماذا يسمحون لك ببناء أطول برج ولا يسمحون لك بصناعة إبرة ؟

ثمة سؤال محرم لا يدرس في الجامعات:
كيف لدولة مساحتها أصغر من بحيرة الرزازه (بحيرة في العراق) مثل سنغافورة، بلا نفط ولا ماء ولا تاريخ، أن تتحكم باقتصادك؟ وكيف أنت تملك النفط والغاز والنهرين و45 مليون شاب وتستورد حتى كيس الخضار من الصين؟!!

الجواب ليس الحظ، هناك 8 أقفال، من يملك مفاتيحها يحكم، ومن لا يملكها يبقى محكوما.

القفل صفر: نظف حدودك أولا…

قبل الاقتصاد وقبل الجيش، هناك قاعدة تشبه قاعدة المافيا، لا يمكنك أن تصبح زعيما إذا كان جارك يطعنك كل يوم..

70% من ميزانية أي دولة لديها عدو على الحدود تذهب للدفاع، و30% فقط للبناء.. أمريكا لم تصبح عظمى لأنها قوية، بل أصبحت قوية لأنها طبقت خدعة عبقرية قبل 200 سنة اسمها مبدأ مونرو، حولت كندا إلى صديق أليف، والمكسيك إلى جار فقير يعتمد عليها، حدودها آمنة 100%، لذلك تستطيع أن ترسل 11 حاملة طائرات لتحاصر الصين وهي تحتسي قهوتها في واشنطن.
روسيا تملك 6000 قنبلة نووية تستطيع تدمير الأرض، لكنها ليست دولة عظمى كاملة، لماذا؟ لأنها محاصرة، الناتو على بابها الغربي، والصين على بابها الشرقي، طوال تاريخها وهي في وضع دفاعي.

الصين فهمت اللعبة الآن، حربها ليست مع أمريكا، حربها مع اليابان وتايوان وكوريا، تريد أن تطرد أمريكا من آسيا وتقول: آسيا لي وحدي، إذا نجحت ستصبح هي أمريكا القادمة إذا كان جارك عدوك، ستبقى حارس عمارة، ولن تصبح صاحب العمارة.

الأقفال السبعة التي تجعلك غنياً أو عبدا…

1- قفل الاقتصاد: هل تصنع أم تبيع نفسك؟
الدولة العظمى تصدر ما تصنعه، كوريا تصدر سيارة، أنت تصدر برميل نفط خام بـ 80 دولارا وتستورده بنزينا بـ 500 دولار ودواء بـ 2000 دولار، هذه ليست تجارة، هذه عملية نصب، يسمونها في الاقتصاد لعنة المواد الخام، يسمحون لك أن تكون غنيا، لكن ممنوع أن تكون منتجا.

2- قفل العلم: من يملك الشريحة يحكم.
الدول العظمى تنفق 4% من اقتصادها على البحث، الشريحة الإلكترونية الواحدة التي في هاتفك أهم من 10 آبار نفط، من يصنعها يتحكم بك، أمريكا تمنع الصين من آلات صناعة الشرائح، لأنها تعرف من يخسر معركة التكنولوجيا يرجع 100 سنة إلى الوراء.

3- قفل الجيش: ليس لتقاتل، بل لكي لا يجرؤ أحد على قتالك..الجيش القوي ليس للاستعراض، هو حتى لا يتصل بك أحد ويهددك، والأهم: هل تصنع رصاصتك بيدك أم تستأذن دولة ثانية لتعطيك إياها؟

4- قفل القانون: وهنا تسقط كل الدول العربية.
أخطر تقرير في العالم هو مؤشر الفساد العالمي، يقول قاعدة مرعبة: لا توجد دولة واحدة في التاريخ صعدت إلى العالم الأول ودرجة الفساد فيها أقل من 50، مستحيل، يمكنك بناء أطول برج في العالم، لكن إذا كان القاضي يباع والمستثمر يبتز، فأنت سوق ولست دولة.

5- قفل الإنسان: هل شبابك يهربون إليها أم منها؟
هذا هو الاختبار الحقيقي، الدولة العظمى هي التي يقف شباب العالم في طابور للحصول على تأشيرتها، الدولة الفاشلة هي التي يقف شبابها في طابور للهروب منها، إذا كان حلم الشاب هو الهجرة، فأنت انتهيت، حتى لو كانت عندك ميزانية تريليون.

6- قفل الجغرافيا: اللعنة التي لا تراها.
44 دولة في العالم قرب خط الاستواء او بلا بحر، 32 منها من أفقر دول العالم، لماذا؟ لأن تكلفة تصدير أي شيء تصبح ضعفا، والمناخ الحار يقلل إنتاجية العامل 30%، والحدود التي رسمها الاستعمار بالمسطرة قسمت القبيلة و المتشابهين وجمعت المتناقضين في بيت واحد.

7- قفل القوة الناعمة: أن تجعلهم يحبون سجنهم.
أمريكا لا تحكمك بالدبابة فقط، تحكمك بهوليوود وماكدونالدز وآيفون، تجعلك تحب أن تكون مثلها، الدولة العظمى هي التي تبيعك ثقافتها، فتشتري أنت منتجاتها بإرادتك.

كيف يحسبونك؟ أنت لست عالما ثالثا، أنت رقم في جدول!.كلمة عالم أول وثالث كذبة قديمة من سنة 1952، كان معناها سياسيا، عالم أول مع أمريكا، عالم ثان مع السوفييت، عالم ثالث محايد.
اليوم يحسبونك بورقة وقلم.
البنك الدولي يقول:أكثر من 14005 دولار دخل للفرد سنويا، سيد، عالم أول، مثل أمريكا وألمانيا والإمارات بين 4516 و14005 دولار، الصاعد الخطير، الصين وتركيا وماليزيا، يصنع مثل السيد لكنه ما زال فقيرا…
بين 1146 و4515 دولارا، الزبون، العراق ومصر والهند، يستهلك ولا يصنع.
أقل من 1145 دولارا، المنسي، اليمن وجنوب السودان.
والأمم المتحدة تحسبك بمعادلة التنمية البشرية، كم تعيش، وكم تدرس، وكم تكسب.

كيف هربت سنغافورة وهي أصغر من بحيرة الرزازه؟

سنة 1965 طردت ماليزيا سنغافورة، حرفيا قالت لهم اخرجوا، لي كوان يو خرج يبكي في التلفزيون…كانت مساحتها 580 كيلومترا مربعا فقط، بلا ماء، كانت تشتري الماء من ماليزيا، بلا نفط، بلا زراعة، بلا جيش، شعبها خليط يتقاتل، صينيون وماليزيون وهنود، دخل الفرد 500 دولار فقط، بطالة 14%، وبيوتها عشوائيات، كل الخبراء قالوا: هذه الدولة ستموت خلال سنتين.

كيف هربت؟ بـ 4 قرارات مجنونة.

القرار الأول: باعت موقعها بدل نفطها.
ليس لديها نفط، لكن لديها مضيق ملقا، أهم ممر بحري في العالم، يمر به ثلث تجارة العالم، قالت للشركات العالمية: تعالوا ابنوا مصانع عندي وأنا أعطيكم ميناء يصدر للعالم كله بلا ضرائب، شركة شل وتكساكو جاءت أولا، اليوم ميناء سنغافورة هو ثاني أكبر ميناء في العالم.

القرار الثاني: بنت بيوتا قبل أن تبني مصانع.
بدل أن يبني قصورا رئاسية، بنى شققا شعبية اسمها HDB، وزع 90% من الشعب في بيوت ملك، لماذا؟ قال: إذا لم يكن للإنسان بيت يحميه فلن يدافع عن وطن، خلق انتماء من لا شيء.

القرار الثالث: أعدم الفاسد ورفع المعلم.
أسس جهازا اسمه CPIB، جهاز مكافحة فساد يلبس مدنيا ويدخل حتى على رئيس الوزراء، راتبه عال حتى لا يرتشي، وصلاحيته مطلقة، وبنفس الوقت جاء بأفضل الطلاب وجعلهم معلمين، وجعل راتب المعلم أعلى من راتب الطبيب، وقال جملته الشهيرة: لا يمكن لدولة أن ترتفع فوق مستوى معلميها، صرفت 40% من ميزانيتها على التعليم وهي جائعة.

القرار الرابع: جلب العقول من الخارج بدل طردها.
فتح الباب، أي عبقري أو مستثمر تعال أعطيك جنسية، اليوم 40% من سكان سنغافورة أجانب عباقرة جلبهم بالمال.

النتيجة بالأرقام:
1965 دخل الفرد 500 دولار.
2024 دخل الفرد 84000 دولار، الثالث في العالم، أغنى من أمريكا…
من دولة تشتري الماء إلى دولة تصدر الماء والتكنولوجيا…مطارها أفضل مطار في العالم لـ 12 سنة متتالية.
جوازها أقوى جواز في العالم.

كوريا الجنوبية هربت بالصناعة، سامسونج وهيونداي، سنغافورة هربت ببيع الذكاء والموقع والنظافة…الخلاصة الصادمة…لا تسأل كم برميل نفط تملك، اسأل:هل شباب العالم يموت ليأتي إليك، أم شبابك يموت ليهرب منك؟
جواب هذا السؤال وحده يحدد هل أنت دولة عظمى قادمة، أم مجرد محطة بنزين كبيرة على خريطة العالم.؟؟


مصنف في :