قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: أبو معاذ
كان الخبر كالصاعقة… في تلك اللحظة لم أستطع أن أستوعب أن الصوت الذي اعتدنا أن نسمعه، والوجه الذي ألفناه، والإنسان الذي ترك فينا كل هذا الأثر قد رحل…
مر عام كامل، وما زلت أشعر أنني سألتقيك في الطريق، أو أراك تدخل المسجد، أو أجلس معك في إحدى تلك الجلسات التي كانت تجمعنا، فأسمع منك كلمة تغير شيئا في داخلي…
عام كامل، وما زلت لا أصدق أنك رحلت…
كلما مر يوم، يعود شريط حياتنا إلى ذاكرتي، منذ بداية تعارفنا في مسجد العودة إلى الله في مخيم جباليا…
هناك بدأت الحكاية، وهناك عرفتك قريبا منا، متواضعا، هادئا، كبيرا بأخلاقك قبل علمك، وبسيطا في حضورك رغم المكانة التي كنت تحملها في قلوب من عرفوك…
كنت أخا، ومربيا، وصاحبا، وقدوة وعشنا أياما لا يمكن للسنين أن تمحوها…
جلسنا وتعلمنا، واختلفنا واتفقنا، وضحكنا، وتعبنا، وسهرنا، وحفظنا من الأيام ما أصبح اليوم أثمن ما نملك: الذكريات…وعلى يديك تعلمنا دروس العقيدة، وتعلمنا أن العلم ليس كلمات تحفظ، وإنما أخلاق ترى، وثبات في المواقف، وتواضع في التعامل، وإخلاص لا يحتاج إلى ضجيج…
كنت كبيرا في عيننا، لكنك لم تكن ترى نفسك كبيرا…كان تواضعك يسبقك، وكان حضورك يترك أثرا حتى دون أن تتكلم…
واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، أدرك كم كانت تلك التفاصيل الصغيرة عظيمة.
أشتاق إلى جلساتنا، إلى كلماتك، إلى ابتسامتك، إلى نصائحك…إلى ذلك الصوت الندي الذي كنا نسمعه في قيام الليل واعتكافات رمضان…
سنفتقد صوتك كثيرا؛ وسنفتقد حضورك الذي كان يملأ المكان طمأنينة…
وسنفتقد الإنسان الذي كنا نعرفه بعيدا عن كل الألقاب والمسميات؛ حذيفة الإنسان، حذيفة الأخ، حذيفة الأستاذ، حذيفة الذي أحببناه…
رحلت يا حبيبي، لكنك لم ترحل من ذاكرتنا…
فما أصعب أن يفقد الإنسان شخصا كان جزءا من تكوينه!
وما أصعب أن تتحول اللقاءات إلى ذكريات، والأصوات إلى صمت، والأماكن التي جمعتنا إلى محطات نستعيد فيها وجوه من رحلوا.
حتى المنام أصبح موعدا آخر للقاء، فلا يكاد يمر أسبوع إلا وأراك في المنام…
أراك أمامي فأقترب منك، وأعانقك بشدة، وكأنني أحاول أن أستعيد في حضن واحد كل أيامنا التي مضت…استيقظ بعدها، فأكتشف أنني كنت أحلم، فأشعر بوجع الفراق من جديد…
لكنني، رغم كل هذا الاشتياق، أطمئن نفسي بما نرجوه لك عند الله…
عزاؤنا أنك عند رب كريم، وأن رحمة الله أوسع من حزننا، وأننا نرجو لك مقاما طيبا في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا ألم ولا وداع.
نم قرير العين يا حبيبي يا أبا إبراهيم…
لقد تركت وراءك قلوبا تحبك، وذكريات لا تموت، وأثرا في نفوس من عرفوك…
تركت طلابا تعلموا منك، وأصدقاء حملوا لك الوفاء، وأناسا ما زالوا يذكرون مواقفك وكلماتك وتواضعك…
أما أنا فكلما اشتقت إليك سأعود إلى تلك الأيام، إلى الدورات التي جمعتنا، إلى دروس العقيدة، إلى ليالي رمضان…
إلى قيام الليل، إلى صوتك…
إلى ابتسامتك التي لا تغيب عني لحظة…
إلى كل لحظة ظننا يومها أنها عادية، ثم اكتشفنا بعد رحيلك أنها كانت من أجمل نعم الله علينا..
حبيبي يا أبو ابراهيم..
لم تكن تعرف أنك وأنت تعلمنا، كنت تترك فينا شيئا سيبقى بعدك…ولم نكن نعرف أن بعض الجلسات ستكون يوما آخر ما نتمسك به حين يشتد الشوق…
كنت أستاذا، فصرت ذكرى…
وكنت قريبا، فصرت دعاء لا ينقطع.
وكنت بيننا، فصرت حاضرا في كل مكان تركت فيه أثرا…رحمك الله رحمة واسعة، وجبر قلوب أهلك ومحبيك، وجمعنا بك في دار لا فراق فيها.
سنواصل الطريق الذي تعلمنا فيه منك معنى الصبر والثبات، ونحمل ما علمتنا من قيم الإيمان والأخلاق والوعي، ونبقى أوفياء للأثر الذي تركته فينا…لن يكون الوفاء لك بالكلمات وحدها، بل بأن نحافظ على ما زرعته فينا من علم، وتربية، وأخلاق، ومحبة للخير، وأن نبقى أوفياء للمبادئ التي عشنا وتعلمنا عليها…
عام مضى، وما زلت حاضرا…
عام مضى، وما زال صوتك في الذاكرة…
عام مضى وما زال عناقنا في المنام يعيد إلي شيئا من دفء اللقاء….
سلام عليك يا أبا ابراهيم يوم عرفناك، وسلام عليك يوم فارقتنا، وسلام عليك يوم نرجو أن نلتقيك فيه في رحاب رحمة الله ..رحمك الله يا حبيبي وأستاذي…
لن أنساك ما حييت…
محبك “أبو معاذ.”..


