قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: علي بركة
رئيس دائرة العلاقات الوطنية بحركة حماس في الخارج
في الحادي والعشرين من آب/أغسطس من كل عام، يستعيد الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمون واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت قلب مدينة القدس وروح الأمة الإسلامية؛ جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك عام 1969، حين أقدم متطرف أسترالي على إشعال النار في المسجد، في محاولة خطيرة للنيل من أحد أقدس مقدسات المسلمين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد 57 عاماً على تلك الجريمة: هل انتهى خطر الأقصى بانطفاء النيران التي أُضرمت فيه؟ أم أن الحريق انتقل من النار إلى مشروع سياسي وديني ممنهج يستهدف هوية المسجد ووجوده ومكانته؟
إن الحقيقة التي يجب أن يدركها العالم العربي والإسلامي وأحرار العالم هي أن المسجد الأقصى المبارك لا يواجه خطراً عابراً أو اعتداءات منفصلة، وإنما يتعرض منذ سنوات لمشروع متدرج لتغيير هويته وفرض واقع جديد داخله وفي محيطه، وصولاً إلى تهويده وتقسيمه زمانياً ومكانياً.
🛑الأقصى في العقيدة الإسلامية
المسجد الأقصى ليس مجرد مسجد فلسطيني أو معلم تاريخي في مدينة القدس، بل هو جزء أصيل من عقيدة المسلمين وذاكرتهم الدينية والحضارية.
فإليه كانت القبلة الأولى للمسلمين، ومنه كانت رحلة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإليه ارتبطت رحلة المعراج، وهو المسجد الذي بارك الله حوله، قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الأقصى ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل هو دفاع عن مقدس إسلامي ارتبط بعقيدة الأمة وتاريخها ووجدانها.
🛑من إحراق الأقصى إلى محاولة اقتلاعه من الوعي
كانت جريمة 1969 جرس إنذار مبكراً، وقد أدرك العالم الإسلامي آنذاك خطورة ما جرى، فانعقدت أول قمة إسلامية في الرباط، وأسهمت تلك الأحداث في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت لاحقاً منظمة التعاون الإسلامي.
لكن بعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن الاحتلال انتقل من محاولة إحراق المسجد إلى محاولة تغيير واقعه تدريجياً.
فالاقتحامات اليومية، ومنع المصلين أو تقييد وصولهم، والسماح للمستوطنين بأداء الطقوس الدينية داخل باحات المسجد، ورفع الأعلام، وتنظيم الاقتحامات الجماعية، كلها ليست أحداثاً عابرة؛ بل تشكل، في مجموعها، مساراً خطيراً لفرض أمر واقع جديد.
وقد شهد شهر تموز/يوليو الماضي اقتحام آلاف المستوطنين للمسجد الأقصى في يوم واحد، بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وبحماية شرطة الاحتلال، مع أداء طقوس تلمودية علنية داخل الباحات.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح الاعتداء على الأقصى سياسة حكومية، ويتحول اقتحام المسجد من فعل جماعات متطرفة إلى ممارسة يشارك فيها وزراء في حكومة الاحتلال، فإننا نكون أمام مشروع رسمي لتغيير قواعد الواقع في القدس.
🛑بن غفير… الوجه الأكثر تطرفاً في مشروع تغيير الأقصى
لم تعد اقتحامات إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى مجرد استفزازات فردية، بل أصبحت تحمل دلالات سياسية بالغة الخطورة فمشاركة وزير في حكومة الاحتلال في اقتحام المسجد، تحت حماية الشرطة، تمنح الجماعات الاستيطانية غطاءً رسمياً، وتبعث برسالة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية ماضية في فرض ما تسميه “حرية العبادة لليهود” داخل الأقصى، وهو تعبير يُستخدم عملياً لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم.
وقد حذرت جهات دينية فلسطينية وإسلامية من أن هذه الممارسات تستهدف تغيير الوضع الديني والتاريخي والقانوني في المسجد، وتفتح الطريق أمام فرض التقسيم الزماني والمكاني.
إن أخطر ما في هذا المسار أن الاحتلال لا يطرح مشروع التقسيم دفعة واحدة، وإنما يعمل على تطبيع الاستثناء، ثم تحويل الاستثناء إلى عادة، ثم تحويل العادة إلى واقع، ثم تقديم الواقع الجديد للعالم باعتباره أمراً قائماً لا يمكن تغييره.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن تنتبه إليها الأمة.
🛑التقسيم الزماني والمكاني… مشروع تهويد لا يمكن السكوت عنه
إن التقسيم الزماني يعني تخصيص أوقات للمستوطنين داخل المسجد الأقصى، مقابل تقليص حق المسلمين في الصلاة فيه، بينما يمثل التقسيم المكاني خطوة أخطر تهدف إلى اقتطاع أجزاء من المسجد وتحويلها إلى أماكن مخصصة لليهود.
وإذا تمكن الاحتلال من فرض هذا الواقع، فإنه لن يكون مجرد تغيير في أوقات الزيارة، بل سيكون ضربة مباشرة لمكانة المسجد الأقصى وهويته الإسلامية لقد رأينا كيف بدأت فكرة التقسيم المكاني والزماني في أماكن مقدسة أخرى، وكيف تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة.
ولهذا فإن السكوت عن أي خطوة باتجاه تقسيم الأقصى يعني عملياً السماح بتأسيس سابقة خطيرة قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
🛑الأقصى ليس قضية فلسطينية وحدها
من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع القدس والمسجد الأقصى باعتبارهما قضية فلسطينية داخلية فالقدس قضية عربية وإسلامية وإنسانية، والأقصى رمز جامع لمئات الملايين من المسلمين في العالم.
ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الأقصى لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، وإن كان الفلسطينيون في مقدمة المدافعين عنه والمرابطين في ساحاته، وإنما تقع أيضاً على الدول العربية والإسلامية، وعلى منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، وكل القوى والأحرار في العالم…لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال لا يتراجع أمام بيانات الإدانة وحدها، وإنما عندما يشعر بأن هناك ثمناً سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً حقيقياً لاعتداءاته.
🛑المطلوب تحرك عربي وإسلامي عاجل
إن ذكرى إحراق الأقصى يجب ألا تتحول إلى مناسبة سنوية لإصدار البيانات والخطب، ثم يعود كل شيء إلى حاله.
المطلوب اليوم هو إطلاق تحرك عربي وإسلامي عاجل ومتدرج، يقوم على:
أولاً: عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب والمسلمين لبحث التصعيد الإسرائيلي في القدس والأقصى.
ثانياً: تشكيل لجنة عربية وإسلامية دائمة لمتابعة الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وتوثيقها ورفعها إلى المؤسسات الدولية.
ثالثاً: الضغط السياسي والقانوني على حكومة الاحتلال لوقف الاقتحامات والطقوس الدينية داخل المسجد واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم.
رابعاً: استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية المتاحة للدول العربية والإسلامية لمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات على المقدسات.
خامساً: دعم صمود أهل القدس والمرابطين والمقدسيين، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى.
سادساً: تحريك الرأي العام العالمي، ومخاطبة البرلمانات والمؤسسات الحقوقية والدينية في العالم، وفضح محاولات الاحتلال تحويل الاعتداء على المقدسات إلى أمر طبيعي.
🛑لا تنتظروا الحريق القادم
في ذكرى إحراق الأقصى، لا ينبغي أن نسأل فقط: من أحرق المسجد عام 1969؟
بل علينا أن نسأل: من الذي يعمل اليوم على تغيير هوية المسجد؟ ومن الذي يقتحمه؟ ومن الذي يحمي المقتحمين؟ ومن الذي يمهّد لتقسيمه؟ ومن الذي يراقب كل ذلك من بعيد؟
إن الخطر الذي يتهدد الأقصى اليوم قد لا يأتي في صورة حريق كبير يراه العالم في شاشات التلفاز، وإنما قد يأتي في صورة خطوات صغيرة ومتدرجة: اقتحام، ثم طقس ديني، ثم منع للمصلين، ثم تخصيص وقت، ثم تخصيص مكان، ثم فرض أمر واقع جديد وعندما يستيقظ العالم على واقع جديد في الأقصى، قد يكون الوقت قد فات.
إن الأقصى في خطر حقيقي، وليس شعاراً موسمياً. والخطر لا يستهدف حجارة المسجد وباحاته فحسب، وإنما يستهدف هوية القدس ومكانتها، ويمس مشاعر وكرامة وحقوق مئات الملايين من المسلمين.
ومن هنا فإننا ندعو الدول العربية والإسلامية إلى مغادرة مربع الإدانة إلى مربع الفعل، وندعو أحرار العالم إلى الوقوف في وجه مشروع التهويد والاستيطان، ونناشد شعوب الأمة أن تجعل القدس والأقصى حاضرين في وعيها ووجدانها وتحركها.
فالأقصى أمانة في أعناق الأمة، والقدس ليست للبيع، ولن يستطيع الاحتلال مهما طال الزمن أن يمنح الباطل شرعية التاريخ، أو أن يمحو حقيقة أن هذا المسجد كان وسيبقى، بإذن الله، مسجداً إسلامياً خالصاً.
🛑في ذكرى إحراق الأقصى نقول:
لن ننسى الجريمة، ولن نقبل بالتقسيم، ولن نقبل بالتهويد، ولن نسمح بتحويل الاقتحام إلى واقع دائم..الأقصى في خطر… فهل تتحرك الأمة قبل أن يصبح الخطر واقعاً لا يمكن تغييره؟ اللهم احفظ المسجد الأقصى، واحفظ القدس وأهلها، وثبّت المرابطين فيه، واكتب لفلسطين وأهلها النصر والحرية.


