قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: علي اکبر فلاحي
منذ بزوغ الولايات المتحدة كقوة عالمية مهيمنة، اتخذت من الشرق الأوسط ساحة أساسية لتطبيق استراتيجيتها الجيوسياسية المعقدة. هذه الاستراتيجية لم تكن مجرد سعي للمصالح الاقتصادية، بل مشروع شامل لإعادة تشكيل المنطقة بما يضمن الهيمنة الغربية ويمنع قيام أي قوة إسلامية موحدة قادرة على تحدي النظام العالمي الجديد. فالتاريخ الطويل للتلاعب الأمريكي بالشرق الأوسط، والدعم اللامحدود للكيان الصهيوني والحرب المستمرة ضد النهضة الإسلامية، كلها تؤكد حقيقة واحدة: أمريكا هي المحرك الرئيسي للفتن والصراعات في منطقتنا.
🛑جذور التدخل الأمريكي: قرن من الهيمنة والسيطرة
بدأ تدخل الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط بجدية منذ مطلع القرن العشرين، عندما أدركت واشنطن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة. ففي عام 1928، شكلت اتفاقية “الخط الأحمر” نقطة تحول حاسمة، حيث تقاسمت الولايات المتحدة مع القوى الغربية الأخرى السيطرة على النفط في المنطقة. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، تبلورت الاستراتيجية الأمريكية بشكل أوضح؛ ففي عام 1953، نفذت الولايات المتحدة عملية “أجاكس” الاستخباراتية لإزاحة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الذي تجرأ على المطالبة بتأميم النفط الإيراني. هذه العملية كانت رسالة واضحة لكل من يفكر في تحدي الهيمنة الأمريكية على موارد المنطقة.
🛑إشعال الفتن وتدمير الدول
بلغت السياسة الأمريكية ذروتها في التدخل المباشر بغزو العراق عام 2003، تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل. هذا التدخل، الذي جاء تحت شعار نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، أدى إلى تدمير البنية التحتية وخلق فوضى أمنية وسياسية عميقة، مما أدى إلى نشوء الجماعات المتطرفة وزيادة التوترات الطائفية. تشير تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الحروب في العراق تسببت في مقتل أكثر من 500,000 شخص حتى عام 2020، بالإضافة إلى نزوح حوالي 9 ملايين شخص من ديارهم.
ولم تقتصر الفتن الأمريكية على العراق، بل امتدت إلى سوريا وليبيا واليمن. فأينما نظرنا في خريطة النزاعات، نجد آثار “الشيطان الأكبر” ماثلة في دعم الانقلابات، إذكاء الحروب، إشعال الفتن، وفرض الحصارات، ناهيك عن التهجير. إن أمريكا لم تكن مجرد متفرج على هذه الأحداث، بل كانت المحرك الرئيسي لها. فقد حوّلت الثورات الشعبية في المنطقة إلى فوضى هلاكة، تحت ما سمته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس بـ”الفوضى الخلاقة”.
🛑الدعم المطلق للكيان الصهيوني
يُعد دعم الكيان الصهيوني محوراً حاسماً في السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تقدم دعماً سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً غير مشروط لإسرائيل. ففي العام 2020 وحده، تلقت إسرائيل مساعدات أمريكية ضخمة بلغت 3.8 مليار دولار، وارتفع هذا الدعم في السنة المالية 2024 والسنة المالية 2025 إلى 14.3 مليار دولار.
هذا الدعم المطلق مكّن الكيان الصهيوني من ارتكاب أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ورغم كل الجرائم التي يرتكبها الكيان، تواصل الولايات المتحدة استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لصالحه، ونقل سفارتها إلى القدس، وتجاهل حقوق الفلسطينيين. هذا الموقف أضعف مصداقية واشنطن كوسيط محايد وأدى إلى انتقادات شديدة من العالم العربي والإسلامي.
🛑الوجود العسكري: احتلال مقنّع
لم تكتف أمريكا بالتدخل السياسي، بل أقامت شبكة هائلة من القواعد العسكرية في المنطقة. تعتبر قاعدة العديد في قطر أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، وتضم مركز القيادة المركزية الأمريكية، وتضم حوالي 10 آلاف جندي. ومن هذه القاعدة تدار العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة تمتد من مصر إلى كازاخستان.
وفي فبراير 2026، أرسلت الولايات المتحدة خلال 48 ساعة فقط عدداً كبيراً من المقاتلات وطائرات التزود بالوقود والإنذار المبكر إلى قواعدها في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط. وتواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، متلوّحة بتنفيذ عمل عسكري ضد إيران. هذا الوجود العسكري الضخم ليس لحماية أمن المنطقة، بل لفرض الهيمنة والسيطرة على مقدراتها.
🛑لزوم مقاومة الشعوب الإسلامية
إن المعركة ضد المشروع الصهيوني الأمريكي لن تُحسم إلا إذا واصلت الشعوب الإسلامية دعمها للمقاومة، وتحملت مسؤولياتها تجاه قضاياها المصيرية فالمقاومة ليست مجرد رد فعل على الاستعمار أو الهيمنة، بل هي مشروع تحرري يسعى إلى استعادة الهوية وبناء الذات ومواجهة التبعية.
لقد أظهرت التجارب أن الاستسلام للهيمنة الأمريكية لا يجلب إلا المزيد من الدمار والفتن. فمنذ نهاية الحرب الباردة، استطاعت الولايات المتحدة فرض هيمنة شبه مطلقة على المنطقة، ولكن هذه الهيمنة لم تجلب الاستقرار، بل زادت المنطقة احتراقاً واضطراباً.
اليوم، وبعد عقود من التدخلات الأمريكية، فقدت الولايات المتحدة هيبتها كنموذج للحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط.
إن الشرق الأوسط اليوم يعيش في مفترق طرق. فإما أن تستمر الشعوب الإسلامية رهينة للهيمنة الأمريكية ومشاريعها التدميرية، وإما أن تتحد وتقف صفاً واحداً في مواجهة هذا المشروع الاستعماري الجديد. إن الوحدة الإسلامية والتضامن بين الشعوب العربية والإسلامية هو السبيل الوحيد لمواجهة الفتن التي تزرعها أمريكا، واستعادة السيادة والقرار الوطني، وبناء مستقبل يليق بأمة الإسلام.
فلتتقوى الشعوب المسلمة، ولتدرك أن أمريكا لا تريد لها خيراً، وأن طريق التحرر يبدأ بالوعي، ثم بالوحدة، ثم بالمقاومة. وكما قال القائد الشهيد: “إن المعركة ضد المشروع الصهيوني الأمريكي لن تُحسم إلا إذا واصلت الشعوب الإسلامية دعمها للمقاومة”. فلنعمل جميعاً من أجل شرق أوسط حر، ينعم بالسلام والاستقرار، بعيداً عن تدخلات أمريكا وفتنها.
🛑استاذ جامعة


