قلمي 🖊️ بندقيتي
إعداد:د. حمدي محمود
باحث مصري متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
لم يعد التطبيع العربي مع إسرائيل يمثل مجرد تحول في طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، بل أصبح أحد أهم المتغيرات التي أسهمت في إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وأعادت توزيع مراكز القوة والنفوذ وفق معادلات جيوسياسية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للصراع العربي الإسرائيلي. فقد انتقل التطبيع تدريجيًا من كونه خيارًا سياسيًا محدودًا يرتبط بتسويات ثنائية إلى كونه جزءًا من مشروع إقليمي ودولي أوسع يسعى إلى إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، عبر بناء شبكات جديدة من التحالفات الأمنية، والممرات الاقتصادية، والتكامل التكنولوجي، وإعادة تعريف مصادر التهديد وأولويات الأمن الإقليمي. ومن ثمّ، فإن فهم التطبيع لم يعد ممكنًا من خلال مقاربة دبلوماسية أو قانونية ضيقة، وإنما يتطلب تحليلًا جيوبوليتيكيًا يكشف كيف تحولت العلاقات العربية الإسرائيلية إلى إحدى أدوات إعادة بناء التوازنات الإقليمية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من حقيقة أن الشرق الأوسط يعيش منذ بداية القرن الحادي والعشرين حالة مستمرة من السيولة الاستراتيجية، حيث تراجعت كثير من الثوابت التي حكمت الإقليم لعقود طويلة، وبرزت في المقابل خرائط جديدة للقوة تقوم على التنافس في مجالات التكنولوجيا، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، أكثر مما تقوم على المفاهيم التقليدية للردع العسكري وحده. وفي هذا السياق، لم يعد التطبيع يُطرح بوصفه وسيلة لإنهاء نزاع سياسي فحسب، بل أصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة دمج إسرائيل في البنية الإقليمية باعتبارها مركزًا للتكنولوجيا المتقدمة، والأمن الرقمي، والابتكار الاقتصادي، وهو ما يمنحها دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية ليجعلها أحد المحاور الرئيسة في شبكات النفوذ الإقليمي الجديدة.
ومن منظور الجيوبوليتيكا النقدية، فإن إعادة تشكيل النظام الإقليمي لا تحدث فقط عبر الحروب أو انهيار الدول، وإنما تتحقق أيضًا من خلال إعادة بناء شبكات المصالح والتحالفات وتغيير الإدراك السياسي لمصادر التهديد والفرص. ولذلك فإن التطبيع يمثل، في جوهره، عملية إعادة تعريف للبيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث انتقلت الأولويات لدى بعض الفاعلين الإقليميين من التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره التحدي المركزي، إلى التعامل مع قضايا أخرى مثل الأمن البحري، والاستقرار الاقتصادي، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، والتنافس على التقنيات المتقدمة، وتأمين خطوط التجارة والطاقة. إلا أن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة أي نظام إقليمي جديد على تحقيق الاستقرار إذا كان يقوم على إعادة ترتيب الأولويات دون معالجة الأسباب البنيوية للصراعات التي شكلت الإقليم لعقود طويلة.
وتبرز هنا إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة مفهوم النظام الإقليمي ذاته، إذ إن هذا النظام لا يُبنى فقط من خلال الاتفاقيات الرسمية أو المصالح الاقتصادية، وإنما يقوم أيضًا على وجود حد أدنى من التوافق السياسي، والتوازن بين القوى، والقبول المجتمعي، والشرعية القانونية. وعندما يغيب أحد هذه المكونات، يصبح النظام الجديد أكثر عرضة للاهتزاز مهما بدا متماسكًا من الناحية المؤسسية. ومن ثمّ فإن أي تحليل للتطبيع ينبغي ألا يقتصر على قياس عدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المبادلات التجارية، بل يجب أن يمتد إلى دراسة تأثيره في إعادة توزيع النفوذ، وإعادة تعريف التحالفات، وإنتاج خرائط جديدة للقوة داخل الشرق الأوسط.
لقد ارتبطت مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط تاريخيًا بتدخلات القوى الكبرى أكثر مما ارتبطت بإرادة إقليمية خالصة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى بناء نظام إقليمي يحقق مصالحها الاستراتيجية عبر تقليص احتمالات الصراع التقليدي، وتعزيز شبكات التعاون الأمني، وربط الاقتصادات الإقليمية بمنظومة عالمية تقودها التكنولوجيا والأسواق المفتوحة. وفي هذا الإطار، جاء التطبيع باعتباره أحد الأدوات التي تسمح بإعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم، بحيث تتحول إسرائيل من دولة تُعرَّف أساسًا من خلال موقعها في الصراع إلى دولة تُقدَّم باعتبارها شريكًا في إنتاج الأمن والتكنولوجيا والطاقة والابتكار. غير أن هذه الرؤية، رغم ما تحمله من منطق براغماتي، تفترض ضمنًا أن إعادة هندسة العلاقات بين الدول يمكن أن تسبق معالجة الأزمات السياسية العميقة، وهو افتراض لا تؤيده دائمًا تجارب النظم الإقليمية في التاريخ الحديث.
كما أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر التطبيع تعكس تحولًا في مفهوم القوة ذاته. فالقوة في العلاقات الدولية لم تعد تُقاس بحجم الجيوش أو عدد الأسلحة فحسب، بل أصبحت ترتبط بامتلاك المعرفة، والسيطرة على البيانات، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا، وإدارة شبكات الاتصال، والتأثير في الأسواق العالمية، وتوجيه الابتكار العلمي. وفي هذا السياق، تمتلك إسرائيل عناصر قوة نوعية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وهو ما يمنحها مكانة مختلفة عن كثير من الفاعلين الإقليميين. غير أن دمج هذه القدرات في النظام الإقليمي يثير في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا بالغ الأهمية، وهو: هل يؤدي ذلك إلى بناء شراكة متوازنة بين دول الإقليم، أم إلى إعادة إنتاج تفاوتات جديدة في توزيع القوة تجعل بعض الدول أكثر اعتمادًا على مركز تكنولوجي واحد؟
إن هذا السؤال لا ينطلق من موقف مؤيد أو معارض للتطبيع، وإنما من منطق التحليل الاستراتيجي الذي يفترض أن العلاقات بين الدول تُقاس بدرجة التكافؤ في تبادل المصالح والقدرات. فإذا كانت إحدى الدول تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا واسعًا، بينما تدخل الأطراف الأخرى في العلاقة وهي تعاني فجوات هيكلية في الاقتصاد أو الصناعة أو البحث العلمي، فإن العلاقة قد تميل تدريجيًا إلى إنتاج أنماط من الاعتماد الاستراتيجي يصعب تجاوزها لاحقًا، حتى وإن بدت في بدايتها علاقة تعاون متبادل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقامة العلاقات بحد ذاتها، وإنما في طبيعة البنية التي تُقام عليها هذه العلاقات، ومدى قدرتها على إنتاج مصالح متوازنة لا تُفضي إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق هرمية جديدة للقوة.
ومن زاوية أخرى، فإن التطبيع أسهم في إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي بصورة لافتة. فبعد أن كان الأمن يُفهم تقليديًا باعتباره حماية الحدود ومنع الحروب بين الدول، أصبح يُنظر إليه بوصفه شبكة معقدة من المصالح تشمل أمن الطاقة، والأمن الغذائي، والأمن السيبراني، وأمن الممرات البحرية، وسلامة البنية الرقمية، والقدرة على مواجهة التهديدات غير التقليدية. وقد أدى هذا التحول إلى توسيع نطاق التعاون بين بعض الدول وإسرائيل في مجالات لم تكن مطروحة سابقًا، الأمر الذي جعل الأمن يتحول من مفهوم عسكري صرف إلى مفهوم متعدد الأبعاد. غير أن هذا التحول لا يلغي حقيقة أن الأمن المستدام يظل مرتبطًا بوجود بيئة سياسية مستقرة، لأن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها لا تستطيع وحدها معالجة الأزمات الناتجة عن غياب التسويات السياسية أو استمرار النزاعات الممتدة.
ومن هنا، فإن القراءة النقدية للتطبيع لا تستهدف إنكار حق الدول في إدارة مصالحها أو بناء شراكاتها الخارجية، وإنما تهدف إلى فحص النتائج البنيوية لهذه السياسات على مستقبل النظام الإقليمي. فالنظام الذي يقوم على توازنات مؤقتة قد يحقق قدرًا من الاستقرار المرحلي، لكنه يظل معرضًا للاهتزاز إذا لم ينجح في بناء شرعية سياسية واجتماعية واسعة. كما أن إعادة توزيع القوة داخل الإقليم لا تُقاس فقط بما تحققه الدول من مكاسب آنية، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، وتنويع مصادر قوتها، وتجنب الوقوع في أنماط جديدة من التبعية التقنية أو الأمنية أو الاقتصادية. ولهذا فإن تحليل التطبيع ينبغي أن ينطلق من سؤال أعمق من مجرد جدواه السياسية، وهو: أي نظام إقليمي يُعاد بناؤه اليوم في الشرق الأوسط؟ ولصالح أي موازين قوة؟ وبأي كلفة استراتيجية على مستقبل الإقليم وتوازناته؟
إن إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر مسار التطبيع لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي منذ تراجع الأحادية القطبية وصعود بيئة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المنافسة بين القوى الكبرى مع الحسابات الإقليمية للدول المتوسطة والصاعدة. ففي هذا السياق، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة للصراعات التقليدية أو مسرحًا لتوازنات عسكرية جامدة، بل تحول إلى فضاء استراتيجي تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب القوى الإقليمية الرئيسة، وفي مقدمتها تركيا وإيران وإسرائيل والدول العربية المؤثرة. ومن ثمّ، فإن التطبيع العربي مع إسرائيل ينبغي النظر إليه بوصفه جزءًا من عملية إعادة تموضع إقليمي داخل نظام دولي يتغير باستمرار، حيث تسعى كل دولة إلى إعادة تعريف موقعها في شبكة القوة العالمية، وليس مجرد إعادة ترتيب علاقاتها الثنائية.
وفي هذا الإطار، اكتسبت إسرائيل أهمية استراتيجية متزايدة لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية أو بتفوقها التكنولوجي، وإنما أيضًا بقدرتها على التحول إلى عقدة جيوسياسية تربط بين عدد من المسارات الحيوية في الإقليم. فقد أصبحت الممرات الاقتصادية، ومشروعات الربط اللوجستي، والتعاون في مجالات الطاقة، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، عناصر أساسية في الرؤية التي تسعى إلى دمج إسرائيل داخل البنية الإقليمية الجديدة. غير أن هذا التحول يثير إشكالية جوهرية تتمثل في أن تحويل دولة واحدة إلى مركز رئيس لشبكات التكنولوجيا والأمن والاتصال يمنحها قدرة متزايدة على التأثير في القرارات الإقليمية، ويجعل توزيع القوة داخل النظام الجديد أقل توازنًا، خصوصًا إذا لم يقترن ذلك بتطوير قدرات عربية موازية تستطيع الحفاظ على قدر مناسب من التكافؤ الاستراتيجي.
ومن زاوية التحليل الجيوبوليتيكي، فإن القوة لا تنتقل فقط عبر السيطرة على الأرض، وإنما أيضًا عبر السيطرة على العقد التي تتحكم في تدفق التجارة، والطاقة، والبيانات، والمعرفة. ولذلك فإن إعادة تشكيل النظام الإقليمي من خلال التطبيع لا تعني فقط فتح سفارات أو توقيع اتفاقيات تعاون، بل تعني إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي بما ينعكس على طبيعة العلاقات بين الفاعلين الإقليميين لعقود قادمة. فالدولة التي تتحكم في التكنولوجيا المتقدمة، والبنية الرقمية، وشبكات الابتكار، تكتسب نفوذًا قد يفوق في تأثيره كثيرًا أدوات القوة العسكرية التقليدية، وهو ما يجعل المنافسة في الشرق الأوسط تنتقل تدريجيًا من ميادين الحرب المباشرة إلى ميادين الاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وإدارة البيانات.
غير أن هذه الصورة لا تكتمل دون التوقف عند البعد الفلسطيني، لأنه يمثل المتغير الأكثر تأثيرًا في استقرار أي نظام إقليمي جديد. فقد افترضت بعض الرؤى السياسية أن إعادة بناء العلاقات العربية الإسرائيلية يمكن أن تسبق تسوية القضية الفلسطينية، وأن المصالح الاقتصادية والأمنية كفيلة بتقليص مركزية هذا الملف في السياسات الإقليمية. إلا أن التطورات اللاحقة أثبتت أن القضية الفلسطينية لم تفقد وزنها الجيوسياسي، بل ظلت قادرة على إعادة تشكيل أولويات المنطقة كلما تصاعدت المواجهات أو تعثرت جهود التسوية. وهذا لا يعني أن العلاقات بين الدول ستعود بالضرورة إلى أنماطها السابقة، لكنه يعني أن أي نظام إقليمي يتجاوز أحد أهم مصادر عدم الاستقرار سيظل يفتقر إلى الأساس السياسي الذي يضمن استدامته.
ومن هنا، تبدو إحدى أهم المفارقات في مسار التطبيع أن الجهود التي استهدفت تقليل تأثير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في إعادة تشكيل الإقليم انتهت، في كثير من الأحيان، إلى تأكيد استمرار حضوره بوصفه عنصرًا حاكمًا في معادلات الأمن الإقليمي. فالصراعات الممتدة لا تختفي عندما تتغير أولويات الحكومات، بل تستمر في إنتاج آثارها السياسية والأمنية والاقتصادية، وتفرض نفسها كلما غابت التسويات العادلة. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة هندسة الشرق الأوسط دون معالجة هذه العقدة المركزية سيظل مشروعًا معرضًا للاختبار مع كل أزمة جديدة.
وفي الوقت نفسه، فرضت التحولات الدولية على الدول العربية واقعًا أكثر تعقيدًا مما كان عليه في العقود السابقة. فلم تعد الولايات المتحدة الفاعل الوحيد القادر على صياغة النظام الإقليمي، كما أن صعود الصين بوصفها قوة اقتصادية عالمية، وعودة روسيا إلى توسيع حضورها في عدد من الملفات الإقليمية، خلقا بيئة أكثر تعددية في مراكز النفوذ. وقد أتاح ذلك للدول العربية مساحة أوسع لتنويع شراكاتها الاستراتيجية وعدم الاكتفاء بمحور دولي واحد، إلا أن هذا التنوع يفرض أيضًا تحديًا يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين المصالح المتشابكة دون الانزلاق إلى تنافس المحاور أو فقدان القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي مستقل.
وتكشف هذه البيئة الدولية المتغيرة أن مفهوم التحالف نفسه أصبح أكثر مرونة مما كان عليه في الماضي. فالدول لم تعد تنتمي إلى تحالفات مغلقة بقدر ما أصبحت تدير شبكات متعددة من العلاقات تتغير وفق طبيعة الملفات المطروحة. فقد تتعاون دولتان في مجال التكنولوجيا، وتختلفان في قضايا الأمن، وتتنافسان اقتصاديًا في ملف آخر، وهو ما يجعل العلاقات الدولية أكثر سيولة وأقل خضوعًا لمنطق الاستقطاب التقليدي. وفي هذا السياق، فإن نجاح أي سياسة تطبيع لا يتوقف فقط على بناء علاقات ثنائية مستقرة، وإنما على قدرة هذه العلاقات على التكيف مع التحولات المتسارعة في النظامين الإقليمي والدولي.
ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا خاصًا أن إعادة توزيع القوة داخل الشرق الأوسط لا تحدث فقط بين الدول، وإنما أيضًا بين أنماط مختلفة من القوة. فقد أصبح النفوذ الاقتصادي، والتفوق التكنولوجي، والقدرة على التأثير الإعلامي، والسيطرة على الفضاء الرقمي، عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. وهذا التحول يفرض على الدول العربية مراجعة مفهوم الأمن القومي ذاته، بحيث لا يقتصر على امتلاك أدوات الردع التقليدية، وإنما يمتد إلى بناء اقتصاد معرفي، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير الصناعات المتقدمة، وتأهيل رأس المال البشري، لأن المنافسة المقبلة ستكون في جوهرها منافسة على إنتاج المعرفة قبل أن تكون منافسة على امتلاك السلاح.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة النقدية لا تنظر إلى التطبيع باعتباره نجاحًا أو إخفاقًا في ذاته، بل تعتبره متغيرًا استراتيجيًا ينبغي تقييمه في ضوء تأثيره على بنية القوة داخل الإقليم. فإذا أسهم في خلق بيئة أكثر توازنًا، وعزز من قدرة الدول العربية على تطوير إمكاناتها الذاتية، وربط التعاون الإقليمي بإطار سياسي عادل ومستدام، فإنه قد يصبح أحد عناصر الاستقرار. أما إذا أدى إلى تكريس اختلالات قائمة، أو إلى تعميق الفجوات التكنولوجية والاقتصادية، أو إلى تحويل بعض الدول إلى أطراف أكثر اعتمادًا على مراكز خارجية للقوة، فإن نتائجه بعيدة المدى قد تختلف كثيرًا عن الأهداف التي أُعلن عنها عند انطلاقه.
وتقود هذه القراءة إلى استنتاج مهم، وهو أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي ليست عملية ميكانيكية تُنجز بمجرد توقيع الاتفاقيات، وإنما هي عملية تاريخية طويلة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن والهوية. وكلما اتسعت الفجوة بين البنية الرسمية للنظام الإقليمي وبين إدراك المجتمعات لمشروعيته، ازدادت احتمالات تعرضه للاهتزاز مع أول أزمة كبرى. ولذلك فإن استدامة أي نظام إقليمي جديد لن تعتمد فقط على حجم الاستثمارات أو كثافة التعاون الأمني، وإنما على قدرته على إنتاج توازن بين القوة والشرعية، وبين المصالح والحقوق، وبين ضرورات الأمن ومتطلبات العدالة السياسية، وهي المعادلة التي ستحدد مستقبل الشرق الأوسط أكثر من أي اتفاق منفرد أو تحالف مؤقت.
إذا كانت التحولات التي فرضها التطبيع قد أعادت رسم جانب مهم من ملامح النظام الإقليمي، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما تحقق حتى الآن، وإنما بما يمكن أن يترتب على هذا المسار خلال العقد المقبل. فالتحولات الجيوسياسية لا تُقاس بنتائجها المباشرة، وإنما بقدرتها على إنتاج أنماط جديدة من توزيع القوة، وإعادة صياغة قواعد التفاعل بين الفاعلين الإقليميين، وتحديد طبيعة النظام الذي سيحكم المنطقة في المستقبل. ومن هذه الزاوية، فإن التطبيع العربي مع إسرائيل يمثل تجربة استراتيجية ما زالت في طور التشكل، ومن المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نجاحها أو إخفاقها، إلا أن المؤشرات المتوافرة تسمح بطرح مجموعة من الملاحظات النقدية التي تستند إلى تحليل اتجاهات القوة أكثر من استنادها إلى الخطابات السياسية المتداولة.
وأولى هذه الملاحظات أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي لا ينبغي أن تُختزل في بناء تحالفات جديدة، لأن التحالفات بطبيعتها أدوات متغيرة تخضع لتبدل المصالح والبيئات الدولية. أما النظام الإقليمي المستقر، فهو الذي يمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وآليات لتسوية النزاعات، وقواعد تحكم سلوك الفاعلين، وتوازنًا نسبيًا في توزيع المنافع والأعباء. ومن ثمّ، فإن أي مشروع إقليمي يفتقر إلى هذه المقومات قد يحقق نجاحات مرحلية، لكنه يظل معرضًا للاهتزاز مع تغير البيئة الاستراتيجية أو تبدل أولويات القوى الدولية. ولعل تاريخ الشرق الأوسط يقدم أمثلة عديدة على تحالفات بدت في لحظة معينة راسخة، ثم فقدت فاعليتها عندما تغيرت موازين القوى أو تبدلت الحسابات السياسية.
وتتصل بهذه الملاحظة قضية لا تقل أهمية، وهي أن اختزال مفهوم الاستقرار في غياب المواجهات العسكرية المباشرة يمثل قراءة قاصرة لطبيعة الأمن في القرن الحادي والعشرين. فالدول قد تعيش حالة من الهدوء العسكري، لكنها تواجه في الوقت نفسه أزمات بنيوية تتعلق بالاقتصاد، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والبطالة، والتغير المناخي، والقدرة على إنتاج المعرفة. وهذه القضايا أصبحت تشكل جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي، بل إن تأثيرها في استقرار الدول قد يفوق أحيانًا تأثير التهديدات العسكرية التقليدية. ولذلك فإن أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي لا تضع التنمية المستدامة، والعدالة الاقتصادية، وبناء القدرات العلمية والتكنولوجية في صلب أولوياتها، ستظل إعادة تشكيل ناقصة مهما بلغت درجة التنسيق الأمني بين أطرافها.
ومن الناحية الجيوسياسية، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في ضرورة التمييز بين بناء الشراكات وبناء الاعتماد الاستراتيجي. فالشراكة تقوم على تبادل المصالح بين أطراف تمتلك قدرة متقاربة على التأثير، بينما ينشأ الاعتماد عندما تصبح دولة أو مجموعة من الدول مرتبطة بصورة متزايدة بمصدر خارجي للتكنولوجيا، أو المعلومات، أو الأمن، أو التمويل، بحيث تتراجع قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في القضايا الحيوية. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أي سياسة إقليمية لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقع، وإنما بمدى إسهامها في تعزيز الاكتفاء النسبي، وتنمية القدرات الوطنية، وتوسيع هامش القرار السيادي. أما إذا أفضت إلى تعميق الاختلال في توزيع المعرفة أو التكنولوجيا أو النفوذ، فإنها قد تنتج تبعية جديدة وإن اختلفت أدواتها عن أنماط التبعية التقليدية.
كما أن التحولات الراهنة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في مفهوم القوة الذي حكم سياساتها لعقود طويلة. فالقوة لم تعد نتاجًا للتفوق العسكري وحده، بل أصبحت محصلة مركبة تشمل جودة المؤسسات، وكفاءة الإدارة، والقدرة على الابتكار، ومستوى التعليم، وحجم الإنفاق على البحث العلمي، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتوطينها، إضافة إلى امتلاك بنية تحتية رقمية متقدمة. وفي عالم تتزايد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والاقتصاد المعرفي، فإن الدولة التي لا تستثمر في هذه المجالات ستجد نفسها تدريجيًا على هامش النظام الدولي، حتى وإن امتلكت موارد طبيعية أو قدرات عسكرية كبيرة. ومن هنا، فإن أي مقاربة استراتيجية للتطبيع ينبغي أن ترتبط بسؤال أكثر عمقًا: هل يسهم هذا المسار في بناء قوة عربية مستقلة وقادرة على المنافسة، أم أنه يكتفي بإعادة توزيع الأدوار داخل منظومة تقودها مراكز تفوق تكنولوجي قائمة بالفعل؟
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البعد المجتمعي بوصفه أحد المحددات الأساسية لاستقرار النظم الإقليمية. فالتاريخ السياسي يبين أن الاتفاقيات التي تظل محصورة في الإطار الرسمي، دون أن تجد امتدادًا في المجالين الثقافي والمجتمعي، تواجه تحديات مستمرة في تحقيق الاستدامة. وليس المقصود بذلك اشتراط توافق كامل داخل المجتمعات، فهذا أمر نادر في العلاقات الدولية، وإنما الإشارة إلى أن الفجوة الواسعة بين السياسات الرسمية والإدراك المجتمعي قد تحد من فاعلية السياسات الخارجية، وتفرض على صناع القرار مراجعات متكررة كلما تعرضت المنطقة لأزمات جديدة. ولذلك، فإن الشرعية المجتمعية تظل عنصرًا لا يقل أهمية عن الشرعية القانونية أو السياسية في نجاح أي مشروع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
وتكشف الخبرة التاريخية أيضًا أن النظم الإقليمية الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تقوم على غلبة طرف واحد، وإنما تلك التي تنجح في بناء توازنات مرنة تمنع الاحتكار الكامل للقوة، وتتيح للدول المختلفة فرصًا متكافئة للمشاركة في صنع القرار الإقليمي. فاحتكار النفوذ، مهما كانت مبرراته، يولد في العادة ردود فعل مضادة تسعى إلى استعادة التوازن، وهو ما يفسر استمرار ديناميكيات المنافسة في مختلف الأقاليم الدولية. ومن ثمّ، فإن استدامة أي نظام إقليمي في الشرق الأوسط ستظل مرتبطة بقدرته على استيعاب التعددية السياسية والاستراتيجية، وعدم اختزال مستقبل المنطقة في إرادة فاعل واحد أو تحالف محدود.
ومن هذا المنظور، فإن القضية الفلسطينية تظل عنصرًا بنيويًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، ليس فقط باعتبارها قضية سياسية أو قانونية، وإنما لأنها تمثل أحد الاختبارات الرئيسة لقدرة النظام الإقليمي على التوفيق بين منطق المصالح ومنطق العدالة. فإهمال هذا البعد قد يحقق مكاسب تكتيكية على المدى القصير، لكنه لا يوفر الأساس اللازم لبناء سلام مستدام، لأن السلام الذي لا يستند إلى معالجة أسباب النزاع يظل معرضًا للتآكل كلما تغيرت الظروف أو تصاعدت الأزمات. وهذا لا يعني أن تسوية القضية الفلسطينية وحدها كافية لحل جميع مشكلات الشرق الأوسط، لكنها تظل أحد الشروط الجوهرية لبناء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا وتوازنًا.
وفي ضوء ذلك، فإن المقاربة النقدية للتطبيع العربي مع إسرائيل لا تنطلق من منطق التأييد المطلق أو الرفض المطلق، لأن كلا المنهجين يفتقر إلى القدرة على تفسير التعقيدات التي تحكم العلاقات الدولية المعاصرة. فالتحليل الأكاديمي الرصين يقتضي تقييم السياسات وفق نتائجها الفعلية، ومدى قدرتها على تحقيق الأمن، وتعزيز التنمية، والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي، وإنتاج توازن مستدام في توزيع القوة. كما يقتضي الاعتراف بأن المصالح الوطنية للدول تمثل عنصرًا مشروعًا في صناعة القرار، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن نجاح هذه المصالح يرتبط بقدرتها على الاندماج في رؤية إقليمية أكثر شمولًا، لا تُغفل الاعتبارات القانونية والإنسانية والسياسية التي تشكل أساس الاستقرار طويل الأمد.
وفي المحصلة، فإن التطبيع العربي مع إسرائيل يمثل أحد أبرز مظاهر التحول في بنية الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، لكنه لا يشكل نهاية التاريخ السياسي للإقليم، ولا الصيغة النهائية لنظامه الإقليمي. فما زالت المنطقة تعيش مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنافس فيها رؤى متعددة لمستقبل توزيع القوة، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع التحولات الدولية المتسارعة. ومن ثمّ، فإن الحكم على هذا المسار ينبغي أن يظل مرتبطًا بقدرته على الإسهام في بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا، وأكثر احترامًا لمبادئ السيادة والقانون الدولي، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية المشتركة، وإدارة التنافس بصورة سلمية، ومعالجة جذور الصراعات التاريخية بدلًا من الاكتفاء بإعادة ترتيبها. فالتاريخ يؤكد أن النظم الإقليمية التي تُبنى على توازن القوة وحده قد تصمد لفترة لكنها لا تكتسب الاستقرار الحقيقي إلا عندما تُسندها شرعية سياسية وعدالة نسبية ومصالح متبادلة تضمن لجميع الأطراف مكانًا متوازنًا داخل الإقليم، وهي الغاية التي ستظل المعيار الحقيقي لتقييم أي مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط في العقود المقبلة.


