قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: داني م. الأمين
في بعض الليالي لا تكون صافرة البداية إعلانًا عن مباراة كرة قدم فحسب، بل عن مواجهة تحمل في طياتها ما هو أبعد من المستطيل الأخضر. فالجماهير لا تنزل دائمًا إلى المدرجات أو تجلس أمام الشاشات بدافع الانتماء الرياضي وحده، بل لأنها تجد في فريقٍ ما قصة تشبهها، أو موقفًا يعبّر عنها، أو قيمًا تريد أن تراها تنتصر.
هكذا كان المشهد مع المنتخب الإسباني.
إسبانيا لم تفز لأنها كانت الأكثر حظًا، بل لأنها قدّمت كرة القدم كما يحبها عشاق اللعبة. لم تركض خلف الفوز بأي ثمن، بل صنعته بهدوء وثقة. لعب جماعي، استحواذ ذكي، انضباط تكتيكي، وشخصية لا تهتز تحت الضغط. كرة قدم تعيد إلى الأذهان أن الجمال ليس نقيضًا للبطولات، بل قد يكون الطريق الأقصر إليها.
لكن هذه البطولة حملت، بالنسبة إلى ملايين المشاهدين، معنى تجاوز حدود الرياضة.
في السنوات الماضية حتى اليوم، برزت إسبانيا كواحدة من أكثر الدول الأوروبية وضوحًا في موقفها من الحرب على غزة. وبينما فضّلت حكومات كثيرة البقاء في المنطقة الرمادية او الداعمة للعدو، اختارت مدريد لغة أكثر صراحة في الدعوة إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، رغم ما واجهته من ضغوط وانتقادات سياسية ودبلوماسية.
قد يتفق البعض مع هذا الموقف أو يختلف معه، لكن ما لا يمكن إنكاره أنه منح إسبانيا، في نظر كثيرين، صورة دولة لم تتخلَّ عما تعتبره قناعة سياسية وإنسانية عندما أصبحت كلفة الموقف مرتفعة.
وفي الجانب الآخر، جاءت صور النجم الاسباني المغربي الأصل الشاب لامين يامال ، وهو يرفع العلم الفلسطيني، لتضيف بعدًا وجدانيًا لدى شريحة واسعة من الجماهير. بالنسبة إلى مؤيديه، لم تكن تلك مجرد لقطة احتفالية، بل رسالة تضامن مع شعب ما زال يعيش مأساة إنسانية هزّت ضمير العالم. وفي زمن بات كثير من الرياضيين يتجنبون أي موقف قد يثير الجدل، رأى كثيرون في تلك الصورة تعبيرًا عن قناعة شخصية قبل أن تكون حدثًا إعلاميًا.
أما المباراة نفسها، فاكتسبت بعدًا رمزيًا إضافيًا بعد تصريحات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، التي أعلن فيها دعمه للمنتخب الأرجنتيني، معتبرًا أن غالبية الإسرائيليين يشجعونه. عندها، لم تعد المباراة بالنسبة إلى كثيرين مجرد نهائي على كأس العالم، بل تحولت، في الوجدان الشعبي، إلى مواجهة أسقط عليها كل طرف قناعاته ومواقفه ورموزه.
لهذا السبب، لم يكن مستغربًا أن تجد أعدادًا كبيرة من العرب، ومن المتضامنين مع فلسطين حول العالم، يهتفون لإسبانيا. لم يكن الأمر رفضًا للأرجنتين كشعب أو تقليلًا من تاريخها الكروي، بل لأن المنتخب الإسباني، بالنسبة إليهم، بات يحمل رمزية تتجاوز نتائجه داخل الملعب.
وحين جاءت صافرة النهاية، لم تقتصر الاحتفالات على الساحات الإسبانية. في مدن عربية كثيرة، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّر الآلاف عن فرحتهم بفوز “لا روخا”، وكأنهم يحتفلون بانتصار يخصّهم أيضًا. كان ذلك، بالنسبة إليهم، احتفاءً بكرة قدم جميلة، وبموقف سياسي احترموه، وبلاعبين رأوا في بعض تصرفاتهم امتدادًا لقيم يؤمنون بها.
قد يرى آخرون المشهد بطريقة مختلفة، وهذا حقهم. فالرياضة تبقى مساحة تتعدد فيها القراءات والانتماءات. لكن ما كشفته هذه البطولة هو أن كرة القدم، مهما حاول البعض عزلها عن الواقع، تظل قادرة على عكس نبض الشعوب، وأن القميص الذي يُرتدى داخل الملعب قد يحمل، أحيانًا، دلالات تتجاوز ألوانه.
لهذا، لم يكن انتصار إسبانيا، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد فوز ببطولة جديدة تُضاف إلى سجلها. كان انتصارًا لمدرسة كروية حافظت على هويتها، ولفريق أمتع العالم، ولبلد رأى فيه كثيرون موقفًا يستحق الاحترام، ولحظةٍ شعر فيها الملايين بأن كرة القدم، ولو لليلة واحدة، استطاعت أن تجمع بين الجمال… والضمير.


