قَــلـمـي🖊️ بـُنــدقــيــتـي
مكتب بيروت
في إطلالة مشهودة واكبت التجمعات الشعبية الحاشدة في لبنان والعراق بالتزامن مع مراسم تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي ألقى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اليوم الأربعاء كلمة وجدانية وسياسية شاملة، نعى فيها القائد الكبير “الذي ارتقى شهيداً مع ثلة من أفراد عائلته المباركة، معزياً ومباركاً لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وللعائلة الشريفة وللشعب الإيراني والقيادات والمسؤولين وكل المحبين في الأمة الإسلامية والعالم هذا الوسام الأسمى الذي ينير درب البشرية بشهادة ترفع المقام وتبدأ بعطاءاتها للأجيال القادمة حيث استهل الكلمة بالدعوة إلى القيام لله، معتبراً أن هذا التشييع المليوني هو قيام وحركة وثورة، مستشهداً بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ»، واصفاً الإمام الخامنئي بأنه فريد عصره وقائد استثنائي معاصر قل نظيره في التاريخ، وهو ولي الأمر على الأمة ونائب الإمام الغائب المعصوم الإمام المهدي (عج)، والفقيه الجامع لشرائط الولاية والمرجعية، والمرجع الأعلى، وصاحب الرؤية الاستراتيجية في المجالات المختلفة، وباني أسس الحضارة الإسلامية المعاصرة، والمرشد والراعي والمربي الذي يقود الناس في بحرهم للتحرر من أوثان المادية، والقدوة الذي يعلم بسلوكه والمفكر المبدع الذي يصنع الاتجاه، والسياسي الضليع الذي يدرك أبعاد الأمور على مستوى العالم كله، والرجل الذي وقف صامداً بكل جرأة وعزيمة وعزة وثقة وتوكل على الله تعالى تجسيداً للآية الكريمة: «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا». “
وفي لفتة وجدانية عميقة، خاطب الشيخ قاسم روحه الطاهرة قائلاً: “سيدي الإمام الشهيد الخامنئي، سيدي وقائدي وحبيب قلبي، عشقك قلبي وجوارحي حتى ملأت روحي، كلماتك نور طريقي وطريق إخواني إلى الله تعالى، لقاءاتك معنا زاد لا ينضب، وتوجيهاتك لنا إشعاع أمل لا يخبو”، مؤكداً أنه رأى في قيادته أمانة نقل تعاليم نبينا وسيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة عدالة أمير المؤمنين علي عليه السلام وزهده، وقيام الإمام الحسين عليه السلام بترسيخ دعائم الدين لا تخشى في الله لومة لائم، وتهيئة مجتمع المؤمنين ليكونوا مؤهلين لرفع راية الإمام المهدي (عج)، مثبتاً لنهج محي الدين وملهم المستضعفين في العصر الحديث الإمام الخميني قدس الله روحه الشريفة. وكشف الأمين العام لحزب الله لأول مرة بصراحة عن رسالة مفاجئة وقفت خلف تعزيز معنويات القيادة والمقاومة؛ حيث وصله كتاب خطي من الإمام الخامنئي بتاريخ 09-10-2024، أي بعد اثني عشر يوماً من شهادة السيد حسن نصر الله الشهيد الأسمى وسيد شهداء الأمة، وبعد ستة أيام من شهادة السيد هاشم صفي الدين، وذلك عند انتخابه من إخوانه أميناً عاماً للحزب، حيث قال الإمام في كتابه: “وأنا أدعمكم بنفس المقدار الذي دعمت فيه شهيدنا السيد العزيز”، وأكد الشيخ قاسم أنه قرأ العبارة عدة مرات بتمعن لما تحمله من قيمة كبيرة ودعم للمسيرة والمقاومة، حيث أراد الإمام أن يقول: أنا معكم، أدعمكم، اطلبوا ما شئتم، سأكون بكل قوتي إلى جانبكم، لا تخشوا حتى لو وقف العالم ضدكم، فأنا والمؤمنون والمجاهدون ومعكم الله والملائكة معكم أدعمكم. وأوضح الشيخ قاسم أن الإمام القائد، طوال تلك الفترة وحتى لحظة شهادته، لم يطلب من المقاومة شيئاً قط، بل كان يقول دائماً لمن يتابعون معه: اسألوهم ماذا يريدون، أعطوهم ما يطلبون، لا توفروا شيئاً لهؤلاء الأبطال الشجعان الذين وقفوا قربة إلى الله تعالى من أجل الحق والتحرير وكرامة الإنسان، فالمقاومة طلبت كل شيء وحصلت على كل شيء، وهو نفس المسار الذي كان قائماً مع سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله الذي كان الإمام حريصاً ومتابعاً دقيقاً له في كل الملمات والمحطات، مخاطباً الإمام الشهيد بالقول: “أنت الولي الذي يُعطي ولا يأخذ، أنت الولي الذي تدعم ولا يحتاج إلى أحد، أنت الولي الذي تُصوّب إشاراتك تدخل إلى قلوبنا وعقولنا من دون أن تُفصح عنها حتى”، مستذكراً قول الإمام عند شهادة السيد نصر الله بأن روحه حية وأن السيد غادر بالجسد لكن روحه ونهجه وصوته سيبقى حاضراً أبداً، ومجدداً العهد للإمام الخامنئي بالقول: “نحن أيضاً نكرر ما قلته بأنك حي فينا وستبقى فينا أبداً، وسنكمل الطريق مع الولي سماحة آية الله السيد مجتبى دام ظله، وخلال هذه الفترة التي استلم فيها القيادة شعرنا معه كما شعرنا معك، هي مسيرة الأولياء، هي مسيرة الصالحين، هي مسيرة العزة”.
كما حيا الأمين العام لحزب الله الحشود المليونية التاريخية التي خرجت في إيران والعراق، والتي تجاوزت كل حد حيث لم يحصل في التاريخ مسيرة جمعت عشرين مليوناً في طهران، والملايين في قم والنجف وكربلاء ومشهد، مؤكداً أن هذه الملايين تعبر عن قناعتها وحبها وتفانيها وعلاقتها بهذا الاتجاه والرمزية، وتثبت للعالم أن النظام الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو نظام الشعب والإنسان والحيوية، موجهاً التحية للشعب الإيراني العظيم الذي بيّض الوجوه وأثبت جدارته بالقيادة ومواجهة الاستكبار وإسرائيل وطغاة الأرض يداً واحدة من أجل كرامة وحرية الإنسان عبر حشود نورانية ترتبط بالسماء ولا يمكن زعزعتها، معقباً بأن الشهادة هي حياة وقيام، والقيام عزة، والعزيز منصور، وأن شهادة الإمام هي بداية لمسار ثوري ستتغير فيه معالم المنطقة وتوازناتها مستشهداً بالآية الكريمة: «وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ»، ومستنداً إلى مقولة الإمام الخميني “اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر”، ليؤكد أنه كما قُتل الحسين فولد النهج الحسيني، قُتل الخامنئي فولد النهج الخامنئي وهو امتداد وراية، متوجهاً إلى المنحرفين والمنافقين والكافرين البعيدين عن طاعة الله ليتأكدوا بأن القتل للمقاومين عادة وكرامتهم من الله الشهادة، وأن المحبين يزدادون حباً وعزيمة وأمانة للاستمرارية، مشدداً على أن المقاومين في لبنان من أبناء حزب الله هم عشاق الشهادة والولاية الذين أبلوا بلاءً حسناً وجعلوا العالم يرى نموذجاً فريداً ببركات الولاية، وأن الشعب المقاوم والمحب للمقاومة قدّم التضحيات الكثيرة ومستعد للأكثر ولا يتزحزح، لأنه تعلم أن يكون صابراً مجاهداً محتسباً معطاءً لا يتوقف ليبقى عزيزاً، ولا يمكنه قبول الذلة بأي شكل من الأشكال كشعب لا يُهزم تربى على الولاية وشعار “هيهات منا الذلة”.
وقال أن الإمام الخامنئي رعى الأمة بعين الأبوة وحمى مسارات عزتها بهدي تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل بالتركيز على خمس دعائم أساسية ومضيئة هي: أولاً :
بناء الدولة والمجتمع،.، ثانياً: دعم المقاومة للاحتلال والاستكبار، ثالثاً الوحدة الوطنية والإسلامية والإنسانية، رابعاً توجيه البوصلة نحو تحرير فلسطين، وخامساً :
الاستقلال وعدم التبعية، مؤكداً أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو عدوان عالمي على بلد صمد وحيداً وهزم أهداف العدوان، لتخرج إيران أكثر تماسكاً بالوحدة الشعبية والتفافاً حول القيادة، مشدداً على حق إيران في امتلاك القوة والنووي السلمي وبناء علاقاتها الدولية كما تريد رغماً عن الطاغية الأمريكي و”إسرائيل” اللذين أرادا سلب حرية ومكانة هذا الشعب وفشلا وهُزما وخرجت إيران عزيزة مرفوعة الرأس.
وتوجه الشيخ قاسم بالشكر الجزيل لإيران الإسلام قيادة وحكومة وحرساً وجيشاً وشعباً ونخباً على دعمها، كاشفاً أنه عند صياغة التفاهم الأمريكي الإيراني ثبّتت إيران في البند الأول إيقاف إطلاق النار في لبنان والانسحاب الإسرائيلي، وأكدت أنها لا يمكن أن تسير في اتفاقها مع أمريكا إلا بتنفيذ هذا البند، وكان من نتائجه أن توقف العدوان والاصطدام بالإجمال مع وجود الخروقات الحالية التي تتطلب استكمالاً تثق المقاومة بأن المسؤولين الإيرانيين سيتابعونه، موجهاً التحية لأنهم سيعدّلون الواقع في المنطقة لمصلحة التحرير والحرية بعد أن أعطت إيران المقاومة القوة والدعم والعزة والقدرة على التحرير وخدمة المجتمع، ولولاها ولولا ثنائية صمود المقاومة وشعبها كأساس ودعم إيران كأساس ثانٍ وقوة حقيقية لما حصل وقف إطلاق النار، وهو الخيار الذي تتمسك به المقاومة لأنه أثبت جدواه ويمثل قوة إضافية لها.”
أما في الشق السياسي اللبناني الداخلي، دعا الشيخ نعيم قاسم إلى العمل الجماعي لرفع الوصاية الأمريكية عن لبنان، واصفاً أمريكا بالخبيثة والمستعمرة التي ترهق لبنان بمطالبها التي تخدم العدو الإسرائيلي وتحتله تدريجياً، راداً على منتقدي العلاقة الإيرانية بالقول: “يا أخي العلاقة مع إيران نحن نستفيد منها، لكن قولوا لي لماذا أنتم عندكم علاقة مع أمريكا وأمريكا تذلكم وترغمكم على خيارات وتأخذ خيراتكم ولا تعطيكم شيئاً؟”
مشيراً إلى مئات الخروقات الإسرائيلية التي حصلت منذ وقت إطلاق النار وحتى الآن، وليس آخرها الجريمة الوحشية التي أسفرت عن قتل مديرة المدرسة غندور ومعها والدتها واثنين من مخدوميها في سيارة مدنية وبيت مدني ومكان مدني في النبطية الفوقا، سائلاً السلطة اللبنانية عن غياب تحركها لمطالبة أمريكا بالأصل كون كل ما يحصل هو بقرار أمريكي وبإذن منها وتصرف وحشي تسلب به اللبنانيين.”
وفجّر سماحته موقفاً حاسماً بإعلانه الرفض المطلق والكامل لـ”اتفاق الإطار” الذي عقدته السلطة اللبنانية، مؤكداً أنه لمصلحة إسرائيل بالكامل، ومبني على باطل وكل ما بني على باطل فهو باطل، لأن أصل التفاوض غير شرعي، وغير دستوري، وغير ميثاقي، وغير قانوني، ومضمونه يبيع لبنان للكيان الإسرائيلي لدرجة خلوه من كلمة انسحاب واستبدالها بإعادة تموضع تمنح “إسرائيل” قطعة من أرض لبنان بموافقة السلطة، فضلاً عن الدخول معهم لضرب مقاومة وقوة لبنان تحت إشرافهم، محيلاً أركان السلطة إلى جماعاتهم القريبين منهم الذين اعترضوا أيضاً واعتبروه اتفاقاً سيئاً ومذلاً ويسقطهم، مطالباً إياهم برمي الاتفاق وضربة جانباً والوقوف بجرأة لإعلان رفضه بعدما تبين أنه لمصلحة إسرائيل وقسم الشعب اللبناني، مشدداً على أنه في نهاية المطاف لن يمر من هذا الاتفاق أي بند ولن تستطيع السلطة فعل شيء، ومعقباً برده على تساؤل رئيس الجمهورية “دلّوني على حل” بالقول: “أنا أدلك على حل، نحن نقبل معك بالتفاوض لكن غير المباشر.”أضاف:” تدرسوا المعروض معكم مع أصحاب الاختصاص وتشاوروا أصحاب العلاقة وتعطوا الجواب على مهل وتنظروا لردود الفعل” مستشهداً بالتجربة الناجحة التي قام بها دولة الرئيس نبيه بري في اتفاق سبعة وعشرين تشرين الثاني وتجربة نقاش إيران مع أمريكا لخمسة وأربعين يوماً لصياغة اتفاقهم، مستغرباً عجلة السلطة بذريعة الضغط ومؤكداً أنه إذا كانوا مع شعبهم فلا أحد يضغطهم، وأنه لن يكون لهم مقام أو قدرة على فعل شيء قائلاً: “إذا لم نتعاون ما بيمشي الحال”.
واختتم الشيخ قاسم كلمته بدعوة السلطة إلى التراجع، مؤكداً على أن المقاومة لن تنجر إلى الفتنة ولكنها لن تسمح لأحد بأن يتطاول عليها، وسيكون صوتها عالياً ومواقفها حاسمة لمصلحة السيادة وحقوق الإنسان في لبنان، حيث تظل الأولوية هي استعادة السيادة وطرد الإسرائيلي دون إملاءات من أحد، بل بمناقشة الحلول والاتفاق عليها معاً، جازماً بأنه لا حل إلا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل مقابل انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني وصولاً للحدود وفقاً للنقاط الخمس المعايير وهي: الانسحاب وانتشار الجيش، إيقاف العدوان جوأ وبراً وبحراً وهدماً وبكل المعايير، إطلاق الأسرى، إعادة البناء، وإعادة الناس إلى قراهم إلى آخر شبر، مجدداً التمسك بمسار التفاهم الإيراني الأمريكي والبقاء الراسخ في الميدان مع الجمهور لكسر أهداف المشروع الإسرائيلي وتحرير الأرض بالكامل “.


