قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: داني الأمين
لا تعودوا وأنتم تنظرون فقط إلى ما تهدّم. انظروا أيضًا إلى ما بقي صامدًا رغم كل شيء…
عودوا بهدوء… ليس لأن القرى أصبحت أكثر هدوءاً، بل لأن في هذه الأرض ما يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا. هنا لم تقع حرب عابرة تُطوى صفحتها مع الأيام. هنا تركت النار آثارها في الحجر والبشر، وفي ذاكرة الناس التي ستبقى تحمل ما جرى سنوات طويلة.
ستعرفون قراكم من بعيد، لكنكم ستكتشفون أن شيئًا فيها تغيّر إلى الأبد. طرقات تعرفونها منذ الطفولة، ساحات كنتم تعبرونها كل يوم، بيوت كانت تضج بالحياة ثم تحولت في لحظات إلى أكوام من الركام. ستشعرون وكأنكم تعودون إلى المكان نفسه وإلى مكان آخر في الوقت نفسه…وحين تصلون إلى منازلكم، لا تتعجلوا رفع الأنقاض… اقتربوا منها بحذر واحترام فهذه ليست حجارة فقط تحت هذا الركام ذكريات وأعمار وحكايات لم تكتمل وقد يكون تحت بعضه شهيد لم يُعثر عليه بعد، أو أثر أخير لإنسان غادر الدنيا هنا وبقيت روحه معلقة بالمكان… لذلك، لا تنظروا إلى الركام على أنه بقايا منزل، بل على أنه شاهد صامت على ما جرى.
ستجدون أشياء صغيرة نجت من الموت الكبير صورة عائلية، كتابًا ممزقًا، لعبة طفل، أو قطعة أثاث قاومت السقوط. أشياء قد تبدو عادية للغرباء، لكنها لأصحابها تختصر حياة كاملة. فالحروب لا تهدم الجدران فقط، بل تحاول أن تسرق ذاكرة الناس أيضًا.
وفي هذه العودة، لا تنسوا أولئك الذين بقوا هنا عندما غادر الجميع. أولئك المقاومين الذين واجهوا أشرس عدو عرفته هذه المنطقة، وصمدوا مئة وستة أيام تحت القصف والنار والمطاردة. مئة وعشرة أيام كان العدو يراهن فيها على التعب والخوف والانهيار، لكن التعب لم يهزمهم، والخوف لم يدخل قلوبهم، والانهيار أصاب من كان ينتظر سقوطهم لا أكثر.
بعضهم عاد إلى أهله… وبعضهم عاد محمولًا على أكتاف محبيه…. وبعضهم ما زال مصيره مجهولًا لكنهم جميعًا كتبوا فصلًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الجنوب طويلًا، لأنهم لم يدافعوا عن أرض فحسب، بل عن حق أهلها في البقاء فيها والعودة إليها.
اذكروا الشهداء الذين امتزجت دماؤهم بتراب هذه الأرض حتى صار الحديث عن الجنوب حديثًا عنهم أيضًا. واذكروا الجرحى الذين سيدفعون ثمن هذه الحرب في أجسادهم سنوات طويلة..،. واذكروا الأسرى الذين ما زالت الحرية بعيدة عنهم، والمفقودين الذين ما زالت عائلاتهم تتشبث بأمل صغير وسط هذا الكم من الوجع…
وحين يطلب منكم أحد أن تنسوا، لا تجادلوه كثيرًا…. فقط انظروا حولكم…
انظروا إلى البيوت المهدمة…
إلى القرى التي أُنهكت….
إلى القبور الجديدة….
إلى الصور المعلقة على الجدران…عندها ستفهمون أن بيننا وبين هذا العدو أكثر من حرب، وأكثر من مواجهة، وأكثر من خلاف بيننا وبينه جبال من الجثث، وأنهار من الدم، وصرخات أمهات، ودموع أطفال، وبيوت سُوّيت بالأرض، وأعمار قُطعت قبل أوانها. بيننا وبينه ذاكرة مثقلة بالألم، وثأر طويل صنعته الجرائم قبل أن تصنعه السياسة
ومع ذلك، لم ينتصر الموت.
هذه هي الحقيقة التي سيكتشفها كل عائد إلى الجنوب….لم ينتصر الموت.
فالناس يعودون والحقول ستُزرع من جديد والأبواب ستُفتح من جديد. وصوت الحياة سيعود إلى الأزقة والساحات مهما طال الزمن.
صحيح أن الحرب تركت جراحًا عميقة، لكن الجنوب اعتاد أن ينهض من تحت الركام. هكذا كان دائمًا. كلما ظن أعداؤه أنهم كسروا إرادته، عاد أقوى مما توقعوا ..،لذلك، حين تعودون إلى الجنوب، ارفعوا رؤوسكم احزنوا على من رحلوا، وابكوا إن شئتم، فهذه أرض فيها من الوجع ما يكفي لبحر من الدموع. لكن تذكروا أيضًا أن الذين رحلوا لم يدفعوا أعمارهم كي نقف عند الخراب فقط، بل كي تبقى هذه الأرض لأهلها، ويبقى أهلها قادرين على العودة إليها مهما كان الثمن.
وحين تخطون أولى خطواتكم بين البيوت المهدمة والحقول الجريحة، تذكروا أن تحت أقدامكم أرضًا رُويت بدماء الشهداء، وأن حولكم حكايات من الصبر والتضحية لا تُختصر بخبر أو صورة أو تقرير
هذه ليست عودة إلى مكان…
هذه عودة إلى ذاكرة كاملة.،.
عودة إلى وجوه نفتقدها…،
وإلى أسماء لن تغيب…،
وإلى جنوبٍ دفع الكثير، وما زال، لكنه بقي وسيبقى واقفًا… كما كان دائمًا.
🛑كاتب لبناني


