قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:منير شحادة
جنرال سابق

لم تكن الحرب الأميركية-“الإســرائيـلية” على إيران مجرد مـواجهة عسـ.ـكرية عابرة، بل كانت محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية التي بشرت بها الإدارات الأميركية المتعاقبة والحكومات “الإســرائيـلية” منذ عقود. فالأهداف التي رُفعت في بداية المــواجهة لم تكن متواضعة أو محدودة، إذ تجاوزت مسألة البرنامج النووي إلى السعي لإخضاع دولة كاملة ونهب ثرواتها وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

في الأيام الأولى، ارتفع سقف الخطاب السياسي والإعلامي إلى حد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني. ثم جرى التركيز على تدمــير البرنامج النووي ومصادرة اليورانيوم المخصب وتجريد إيران من قدراتها الصا روخية التي تحولت إلى أحد أهم عناصر الردع في المنطقة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان الهـ.ـدف الأبعد يتمثل في قطع الشرايين التي تربط طهران بحلفائها، وإنهاء ما يُعرف بمحور المـ..ـقاومة الممتد من لبنان إلى فلسـ.ـطين والعراق واليمن.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفًا بصورة جوهرية..فبعد أشهر من العــــملـيـات العسـ.ـكرية والضغوط السياسية والاقتصادية والحــ..ـصار الإعلامي، لم يسقط النظام الإيراني، ولم تنهَر مؤسسات الدولة، ولم تتوقف الصناعات العسـ.ـكرية، ولم تختفِ القدرات الصا روخية التي كانت تشكل أحد الأهداف الرئيسية للحــ..ـــرب. بل إن إيران أثبتت أنها تمتلك من عناصر التماسك الوطني والمؤسساتي ما يجعل إخضاعها بالقوة أمرًا أكثر تعقيدًا مما تخيلته دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب.
لقد تصرفت الولايات المتحدة و”إســـ..ـرائيـل” كما لو أن بإمكانهما فرض إرادتهما على شعوب المنطقة بالقوة العسـ.ـكرية وحدها، متجاهلتين دروس العقود الماضية من أفغانستان إلى العراق، ومن لبنان إلى غـ.ـزة. فالمشكلة الأساسية في العقل الاستراتيجي الأميركي-“الإســـرائيـلي” تكمن في اعتقاده الدائم أن التفوق العسـ.ـكري قادر على إنتاج انـتــ.ــصـار سياسي تلقائي، بينما تثبت الوقائع مرة بعد أخرى أن الشعوب والدول لا تُدار بمنطق الصوا ريخ والطا ئرات فقط.

دفعت إيران ثمنًا كبيرًا من دمـ.ـاء قادتها وأبنائها ومن اقتصادها ومن بنيتها التحتية، لكن الثمن الذي دفعته لم يتحول إلى استسلام وعلى العكس، فإن استمرار الدولة ومؤسساتها وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل شكّل بحد ذاته دليلًا على فشل الرهان على الانهيار الداخلي.
أما لبنان، فقد كان أحد أكثر الساحات التي دفعت كلفة المـ..ـواجهة. قرى مدمرة، وبنية تحتية متضررة، وعائلات اقتُلعت من بيوتها، وشهـ..ـداء وجـ..ـرحى بالآلاف وخسائر اقتصادية ستحتاج سنوات لمعالجتها ومع ذلك، لم يتحقق الهـ.ـدف “الإســـرائيـلي” المتمثل في فرض واقع سياسي جديد بالقوة أو إنهاء دور المـقاومة بوصفها لاعبًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

لقد أرادت “إســـ..ـرائيـل” أن تحوّل النار والدمار إلى أداة لإنتاج الاستسلام، لكنها اصطدمت مجددًا بحقيقة يعرفها اللبنانيون جيدًا منذ عقود: أن القـ.ــصـ.ـف قادر على تدمـ..ـير الحجر، لكنه عاجز عن ضمان النتائج السياسية التي يرغب بها أصحاب القوة والأكثر دلالة أن الأهداف المعلنة للحــــرب أخذت تتقلص تدريجيًا. فبعد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني، أصبح الحديث عن البرنامج النووي.. وبعد البرنامج النووي انتقل التركيز إلى الصواريخ… وبعد الصواريخ جرى الحديث عن النفوذ الإقليمي… ثم انتهى الأمر إلى البحث عن كيفية منع توسع المــواجهة وحماية المصالح الغربية في الخليج وتأمين الملاحة الدولية.

وهنا برز مضيق هرمز بوصفه العصب الاقتصادي الأهم في المنطقة فالغرب الذي اعتاد الحديث عن القوة والهيمنة وجد نفسه أمام حقيقة استراتيجية صلبة: أن أي اضطراب واسع في هذا الممر الحيوي يمكن أن يهز أسواق الطاقة العالمية ويلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الدولي. وعند هذه النقطة تحديدًا، بدأ منطق التسويات يفرض نفسه على حساب لغة التهـ..ـديدات.
إن ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حدود القوة “الإســـ..ـرائيـلية” بل أيضًا حدود القوة الأميركية نفسها. فواشنطن التي قدمت لـ”إســـ..ـرائيـل” دعمًا سياسيًا وعسـ.ـكريًا واستخباريًا غير مسبوق لم تتمكن من ترجمة هذا التفوق إلى انـتــ.ــصـار استراتيجي حاسم. وقد بدا واضحًا أن القوة العظمى الأولى في العالم عاجزة عن فرض الشروط التي أعلنتها في بداية المـ..ـواجهة.
لقد أثبتت التجربة مرة جديدة أن الشرق الأوسط ليس مختبرًا مفتوحًا للمشاريع الأميركية و”الإســـ..ـرائيـلية”، وأن الشعوب والدول التي تمتلك إرادة الصمود قادرة على تعطيل أكثر الخطط طموحًا مهما بلغت كلفة المـ..ـواجهة. كما أثبتت أن الرهان على كسر إيران وعزلها وإخضاعها بالقوة لم يؤدِّ إلا إلى تعميق القناعة لدى ملايين الناس في المنطقة بأن الهيمنة العسـ.ـكرية ليست قدرًا محتومًا.
صحيح أن إيران ولبنان دفعا أثمانًا باهظة، وصحيح أن حجم الخسائر الإنسانية والمادية كان هائلًا، لكن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية التي شُنَّت من أجلها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن القول إن المشروع الذي بدأ تحت عنوان تغيير المعادلات الإقليمية انتهى إلى نتيجة معاكسة: فبدلًا من فرض الاستسلام كرّس حقيقة أن إرادة الصمود ما زالت قادرة على إحباط مشاريع الهيمنة، وأن القوة مهما عظمت لا تستطيع وحدها أن تكتب مستقبل المنطقة.


مصنف في :