قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم : صموئيل العشاي
رغم أن انتخابات نقابة الصحفيين المقرر إجراؤها في مارس 2027 لا يزال يفصلنا عنها نحو تسعة أشهر كاملة، فإن معركة البحث عن “مرشح الدولة” بدأت مبكرًا على نحو غير مسبوق، وكأن موعد الاقتراع بات على الأبواب. فالمشهد داخل الوسط الصحفي يشهد حراكًا متسارعًا، واجتماعات معلنة وأخرى بعيدة عن الأضواء، واتصالات مباشرة وغير مباشرة، كلها تدور حول سؤال واحد: من سيكون المرشح الذي يحظى بثقة دوائر القرار ودعمها في واحدة من أكثر المعارك النقابية حساسية وتأثيرًا في مصر؟
المتابع لما يجري داخل المؤسسات الصحفية والنقابة يدرك أن الأمر تجاوز مرحلة التكهنات التقليدية التي تسبق أي انتخابات. فهناك بالفعل محاولات مبكرة لجس النبض، واختبار المواقف، وقياس أحجام المرشحين المحتملين، فضلًا عن دراسة فرص كل اسم في تحقيق معادلة صعبة تجمع بين قبول الدولة من جهة، والقدرة على حشد أصوات الجمعية العمومية من جهة أخرى.
وتشير معلومات متداولة داخل الأوساط الصحفية إلى أن دوائر مختلفة تتابع عن كثب تحركات عدد من الشخصيات الراغبة في خوض السباق، ليس فقط من زاوية الولاء أو القرب من السلطة، وإنما أيضًا من زاوية القدرة على إدارة الملفات الشائكة التي تواجه المهنة، وعلى رأسها الأوضاع الاقتصادية المتردية للمؤسسات الصحفية، ومستقبل المهنة في عصر التحول الرقمي، وأزمة الأجور، وملف بدل التدريب والتكنولوجيا الذي تحول إلى كلمة السر في كل انتخابات نقابية.
معركة أكثر تعقيدًا من الدورات السابقة
المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيدًا من دورات انتخابية سابقة، لأن عدد الطامحين للحصول على دعم الدولة أكبر من المعتاد، ولأن دوائر صنع القرار نفسها لم تحسم موقفها حتى الآن تجاه أي اسم بصورة نهائية.
وتوجد مخاوف لدى بعض الأطراف من تكرار سيناريوهات الانقسام التي شهدتها النقابة في مراحل مختلفة، بما قد يؤدي إلى معركة انتخابية مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.
وفي المقابل، تتحرك التيارات اليسارية والناصرية والقومية والاشتراكية مبكرًا هي الأخرى، إدراكًا منها أن تعدد المرشحين المعارضين أو المستقلين يصب غالبًا في صالح المرشح المدعوم من السلطة.
وكان الكاتب الصحفي الكبير حمدي حمادة قد أشار إلى أحد الاجتماعات التي عقدها عدد من الصحفيين المنتمين للتيار اليساري، حيث جرى التأكيد على أهمية الاتفاق على مرشح واحد وتجنب تفتت الأصوات، باعتبار أن وحدة الصف قد تمنح هذه التيارات فرصة حقيقية للمنافسة.
معيار الحسم: من يستطيع الحشد؟
في الانتخابات الماضية كان معيار القبول لدى كثيرين يتمثل في القدرة على إدارة الملفات المهنية أو امتلاك شبكة علاقات قوية. أما اليوم، فقد أصبح معيار “القدرة على الحشد” داخل الجمعية العمومية هو العامل الأكثر أهمية.
فالدولة لا تبحث فقط عن اسم يمكنها دعمه، بل عن مرشح قادر على الفوز بالفعل. والمرشحون بدورهم يدركون أن أي حديث عن الدعم الرسمي لن يكون كافيًا إذا لم يقترن بقاعدة انتخابية حقيقية داخل النقابة.
ولهذا السبب تشهد الفترة الحالية اتصالات مكثفة، بعضها يتم بصورة مباشرة وبعضها عبر وسطاء وشخصيات نافذة داخل المؤسسات الصحفية وخارجها، بهدف قياس الوزن الانتخابي لكل اسم مطروح.
ضياء رشوان.. الوزير الذي لم يغادر النقابة
يأتي في مقدمة الأسماء المطروحة الدكتور ضياء رشوان، وزير الإعلام الحالي، الذي لم تنقطع علاقته بالنقابة يومًا رغم انتقاله إلى مواقع ومسؤوليات أخرى.
ويعرف المقربون منه جيدًا أنه لا يزال يتابع تفاصيل النقابة وأجواءها ومعاركها الانتخابية، ويحتفظ بحضور مؤثر داخل الوسط الصحفي.
وتتردد أحاديث داخل دوائر عديدة عن رغبة بعض أنصاره في الدفع به لخوض الانتخابات المقبلة، بما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة جمعت بين منصب الوزير ومنصب نقيب الصحفيين في الوقت نفسه.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن رشوان يمتلك خبرة نقابية واسعة، وعلاقات ممتدة داخل مؤسسات الدولة، وقدرة على إدارة الملفات المعقدة التي تواجه النقابة.
عبد المحسن سلامة.. مشروع العودة
في المرتبة الثانية يأتي الكاتب الصحفي عبد المحسن سلامة، نقيب الصحفيين السابق، الذي لا يخفي رغبته في العودة إلى موقعه القديم.
ويعتمد سلامة على رصيد من العلاقات والخبرة، إلى جانب خطاب انتخابي يركز بدرجة كبيرة على الخدمات والمكاسب المباشرة للصحفيين.
ويرى أنصاره أن لديه فرصة حقيقية إذا نجح في الحصول على ثقة الدولة، خاصة أنه يقدم نفسه باعتباره قادرًا على تحقيق نتائج ملموسة في الملفات المعيشية والمهنية.
خالد ميري.. الخدمات أولًا
أما خالد ميري، الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب، فيواصل بدوره التحرك في اتجاه الترشح، معتمدًا على برنامج خدمي واضح المعالم.
ويضع ميري ملف زيادة بدل التدريب والتكنولوجيا على رأس أولوياته، إلى جانب تطوير الخدمات النقابية وتحسين أوضاع الصحفيين الاقتصادية.
وتشير تقديرات داخل الوسط النقابي إلى أن هذا الخطاب يحظى بجاذبية متزايدة في ظل الضغوط المعيشية التي يعاني منها قطاع واسع من أعضاء الجمعية العمومية.
عبد الرؤوف خليفة.. رصيد الخدمات والعلاقات
ومن بين الأسماء المتداولة بقوة أيضًا عبد الرؤوف خليفة، عضو مجلس النقابة، الذي يعتمد على حضوره الخدمي وعلاقاته الممتدة مع المؤسسات الرسمية.
وقد نجح خلال السنوات الماضية في بناء صورة ترتبط بمتابعة مصالح الصحفيين وإنجاز العديد من الخدمات المرتبطة بالجهات الحكومية والمرور وغيرها من الملفات اليومية التي تهم أعضاء الجمعية العمومية.
محمد شبانة.. حسابات الأهرام والنقابة
أما محمد شبانة، عضو مجلس النقابة وعضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، فيتعامل مع فكرة الترشح بحذر شديد.
فالرجل يمتلك طموحات نقابية واضحة، لكنه يوازن في الوقت نفسه بين هذه الطموحات ومستقبله داخل مؤسسة الأهرام.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن مقربين منه يجرون اتصالات استطلاعية لمعرفة فرص حصوله على دعم رسمي إذا قرر خوض السباق.
حسين الزناتي.. المرشح التوافقي المحتمل
ويبرز كذلك اسم حسين الزناتي، عضو مجلس النقابة، الذي يدفع بعض المقربين منه نحو فكرة الترشح.
لكن الزناتي لا يزال يتعامل بحذر مع هذه الطروحات، فلا يؤكد ولا ينفي بشكل قاطع، وسط حديث عن احتمالات وجود اتصالات غير معلنة لدراسة فرص تقديمه كمرشح توافقي يحظى بقبول من أطراف متعددة.
رفعت رشاد.. حلم العودة للمواجهة
ولا يغيب اسم رفعت رشاد عن المشهد فالرجل لا يخفي رغبته في تكرار تجربة الترشح السابقة التي واجه خلالها ضياء رشوان وحقق نتائج اعتبرها كثيرون جيدة قياسًا بظروف المعركة وقتها.
وتشير أحاديث داخل الوسط الصحفي إلى أنه إذا قرر رشوان خوض الانتخابات المقبلة، فقد يكون رفعت رشاد أحد أبرز منافسيه، مع حفظ الألقاب.
محمد سعد عبد الحفيظ.. مرشح التوافق لدى اليسار
على الجانب الآخر، تواصل التيارات اليسارية والناصرية والقومية والاشتراكية مشاوراتها للدفع باسم محمد سعد عبد الحفيظ.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن عبد الحفيظ يمتلك شبكة علاقات جيدة مع أطراف متعددة داخل الوسط الصحفي، وقدرة على بناء مساحة من التوافق بين اتجاهات مختلفة.
كما أن هناك من يرى أنه يحظى بعلاقات مقبولة مع دوائر رسمية، وهو ما يجعله حالة خاصة مقارنة ببعض المرشحين المحسوبين بالكامل على المعارضة النقابية.
ويتذكر كثيرون أن الحكومة دعمت عبد الحفيظ في إحدى معارك العضوية السابقة، حين جرى التضحية بمحمد خراجة لصالحه، وهو ما انعكس في النتيجة النهائية التي انتهت بفوزه وتراجع أصوات خراجة لصالحه.
المفاجأة.. جمال عبد الرحيم
لكن المفاجأة الحقيقية تتمثل في الحراك الجاري حول اسم جمال عبد الرحيم فوفقًا لما يتردد داخل النقابة، يسعى عدد من المقربين منه إلى بناء تفاهمات مع دوائر حكومية للحصول على ضوء أخضر يسمح له بخوض معركة النقيب.
ويعتمد أصحاب هذا الطرح على العلاقة التاريخية التي جمعت بين جمال عبد الرحيم والدكتور ضياء رشوان في محطات عديدة.
ولا يزال كثير من الصحفيين يتذكرون الأزمة التي أدت إلى تأخر تشكيل مجلس النقابة لمدة ستة أشهر كاملة، دعمًا لمطالب جمال عبد الرحيم، وهي المطالب التي جرى تنفيذها بالكامل في النهاية.
ويتمتع جمال عبد الرحيم أيضًا بميزة انتخابية مهمة تتمثل في الدعم الكبير الذي يحظى به من أصوات أبناء الصعيد داخل الجمعية العمومية، وهي كتلة تصويتية مؤثرة أثبتت حضورها في أكثر من استحقاق انتخابي.
بدل التدريب.. كلمة السر
بعيدًا عن الأسماء والتحالفات، يبدو أن ملف بدل التدريب والتكنولوجيا عاد ليصبح العامل الأكثر تأثيرًا في الانتخابات المقبلة.
فغالبية المرشحين المحتملين يركزون على هذا الملف تحديدًا، سواء عبر وعود بزيادات جديدة أو بتوسيع نطاق المزايا والخدمات الاجتماعية.
ويعود ذلك إلى أن الضغوط الاقتصادية التي يعيشها الصحفيون جعلت الملفات المعيشية أكثر قدرة على التأثير في توجهات الناخبين من الشعارات السياسية أو المهنية التقليدية.
الأسابيع القادمة قد تغير كل شيء وتؤكد مصادر مطلعة أن اجتماعات غير معلنة عُقدت خلال الفترة الماضية بين شخصيات صحفية بارزة ووسطاء محسوبين على دوائر صنع القرار، بهدف استطلاع شكل المعركة المقبلة ومعرفة حدود الدعم الممكن تقديمه لكل مرشح.
كما يتوقع مراقبون أن تشهد الأشهر المقبلة إعادة تشكيل واسعة للتحالفات داخل المؤسسات الصحفية القومية والخاصة والحزبية، مع بدء كل تيار في اختبار وزنه الحقيقي داخل الجمعية العمومية.
ورغم أن الصورة النهائية لا تزال ضبابية، فإن المؤكد أن انتخابات مارس 2027 لن تكون مجرد انتخابات نقابية عادية، بل ستكون معركة سياسية ومهنية مبكرة تتجاوز حدود مبنى النقابة نفسه، لتطرح أسئلة أوسع حول مستقبل المهنة، وطبيعة العلاقة بين السلطة والصحافة، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه نقابة الصحفيين خلال السنوات المقبلة.
ولهذا السبب، فإن السؤال المطروح اليوم داخل الوسط الصحفي ليس فقط: من سيكون النقيب القادم؟ بل أيضًا: من سيكون مرشح الدولة؟ ومن سينجح في الجمع بين رضا السلطة وثقة أعضاء الجمعية العمومية في آن واحد؟
🛑كاتب مصري


