قلمي🖊️بندقيتي
الخوارزميات تصنع وعيا موجها
خصّ الجنرال السابق في الجيش اللبناني منير شحادة “الأيام نيوز” بالتحليل التالي: “ان التحولات الرقمية في صلب إعادة تشكيل مفهومي القوة والسيادة والنقاش لم يعد تقنيا أو جزئيا، بل بات مرتبطا ببنية هيمنة عالمية جديدة تتشكل تدريجيا. ويرى أن ما يُعرف :”بـ(الهيمنة التكنو-رأسمالية) لم يعد مجرد توصيف نظري، بل واقعا يتبلور مع انتقال أدوات السيطرة من المجال المادي التقليدي إلى الفضاءات الرقمية القائمة على البيانات والخوارزميات ويؤكد الجنرال شحادة على أن مفهوم السيادة، الذي ارتبط تاريخيا بقدرة الدولة على فرض سلطتها داخل حدود جغرافية واضحة، تعرض لإعادة تفكيك مع الثورة الرقمية. ويشرح أن الدول باتت تعتمد بشكل متزايد على بنى تحتية رقمية تديرها شركات عابرة للحدود، من خدمات الحوسبة السحابية إلى منصات التواصل ومحركات البحث، ما أنتج مفارقة واضحة تتمثل في امتلاك الدولة لسيادة سياسية شكلية مقابل تآكل سيادتها الرقمية الفعلية. ويعتبر أن هذا الوضع يجعل التحكم في البيانات، باعتبارها جوهر السلطة الحديثة، خارج السيطرة الكاملة للدولة، ويمنح الفاعلين التكنولوجيين دورا يتجاوز الحدود التقليدية للرقابة والمساءلة ويذهب شحادة إلى أن أنماط الهيمنة الحديثة لم تعد تعتمد على الإكراه المباشر كما في السابق، بل انتقلت إلى أشكال أكثر تعقيدا تعتمد على الجذب المستمر وإعادة تشكيل السلوك من الداخل. ويطرح في هذا السياق مفهوم (الاستعباد الطوعي)، موضحا أن المستخدم لم يعد يُجبر على البقاء داخل المنصات الرقمية، بل يتم دفعه إلى ذلك عبر تصميمات دقيقة تعتمد على الإشعارات المتكررة، والتمرير اللانهائي، وتخصيص المحتوى. ويشير إلى أن هذا النمط يؤدي مع الوقت إلى خلق اعتماد نفسي وسلوكي يجعل الفضاء الرقمي جزءا عضويا من الحياة اليومية، بما يتجاوز التأثير الفكري إلى إعادة صياغة العادات والسلوكيات.
وفي تحليله لدور الخوارزميات، يوضح أنها لا تكتفي بتنظيم المحتوى، بل تتدخل في تحديد ما يظهر وما يُخفى وما يُضخم أو يُهمش. ويؤكد أن هذه الأنظمة، من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات، أصبحت قادرة على التنبؤ بالسلوك وتوجيهه بشكل غير مباشر كما يشير إلى أن ميل الخوارزميات لتفضيل المحتوى الانفعالي، خصوصا المرتبط بالغضب والخوف، يؤدي إلى خلق بيئة رقمية مشحونة تعزز الاستقطاب وتضعف التفكير العقلاني، وهو ما يساهم تدريجيا في تشكيل وعي جمعي أكثر قابلية للتوجيه والتأثير.
ويربط شحادة هذا التحول بالبنية الاقتصادية للمنظومة الرقمية، موضحا أن الشركات التكنولوجية الكبرى لا تكتفي بجمع البيانات، بل تقوم بتحويلها إلى مصدر أساسي للقيمة الاقتصادية والنفوذ السياسي. ويعتبر أن البيانات أصبحت تمثل (النفط الجديد)، بينما تتحول الخوارزميات إلى أدوات تحويل هذه البيانات إلى أرباح وتأثير ويشير إلى أن هذا النموذج أدى إلى تركز غير مسبوق للثروة والتكنولوجيا في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، في مقابل تزايد تبعية الدول النامية التي تستهلك التكنولوجيا دون أن تمتلك القدرة على إنتاجها أو التحكم في بنيتها.
وفي سياق مقاربته لسبل المواجهة، يطرح شحادة رؤية تعتبر أن استعادة التوازن تتطلب إعادة تعريف مفهوم السيادة ليشمل البعد الرقمي. ويشدد على ضرورة تعزيز السيادة الرقمية عبر بناء بنى تحتية محلية للبيانات وتقليل الاعتماد على الخارج، كما يدعو إلى وضع أطر تنظيمية تفرض الشفافية على الخوارزميات وتحمي خصوصية المستخدمين ويضيف:” أن الاستثمار في التعليم الرقمي يمثل شرطا أساسيا لبناء وعي مجتمعي قادر على فهم آليات التأثير، إلى جانب دعم الابتكار المحلي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، وتطوير شراكات دولية قادرة على وضع قواعد مشتركة لإدارة البيانات.
ويختتم الجنرال شحادة تحليله بالتأكيد على أن التحول نحو (الهيمنة التكنو-رأسمالية) يعيد تشكيل طبيعة الصراع العالمي، حيث لم تعد المواجهة تدور حول الأرض أو الموارد التقليدية، بل حول الوعي والقدرة على التحكم في الانتباه البشري. ويرى أن مستقبل الدول سيتحدد بمدى قدرتها على استيعاب هذا التحول وبناء أدواته، محذرا من أن التأخر في ذلك يعني الانكشاف أمام نفوذ غير مرئي لكنه بالغ التأثير في إعادة تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي على نطاق واسع.


