قلمي 🖊️ بندقيتي
لم يعد السؤال في الشرق الأوسط ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل أيّ نوع من الحروب بدأ يتشكّل. فالمنطقة التي خرجت قبل أشهر من مواجهةٍ مباشرة وغير مسبوقة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تدخل مرحلة سلام، ولا حتى مرحلة تسوية مؤقتة قابلة للحياة. ما نشهده اليوم هو انتقال مدروس من الحرب الساخنة إلى إدارة اشتباك مفتوح منخفض الوتيرة، تتحرك فيه الجبهات تحت سقوف دقيقة، فيما تُدار السياسة على إيقاع الردع، وتُستخدم الأسواق والبحار والممرات الحيوية كأدوات ضغط لا تقل تأثيرًا عن الصواريخ والطائرات.المشهد الإقليمي الحالي لا يشبه “وقف إطلاق نار” بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى هدنة تقنية معلّقة فوق أرض مشتعلة. فلا جذور الصراع جرى التعامل معها، ولا التوازنات الاستراتيجية استقرت، ولا الأطراف المعنية تبدو مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية تسمح بفتح مسار تسوية شامل. بالعكس، ما ترسّخ بعد المواجهات الأخيرة هو اقتناع متبادل بأن الاشتباك المباشر بات ممكنًا، وأن احتواءه وليس منعه أصبح جزءًا من العقيدة السياسية والعسكرية الجديدة في المنطقة.هذه النقلة بالذات تُعدّ التطور الأخطر في بنية الصراع الإقليمي. فلعقود طويلة، قامت معادلة الشرق الأوسط على ساحات متعددة، مقاومة محلية، اشتباكات غير مباشرة باستثناء جنوب لبنان، ورسائل تُدار عبر الأطراف الوسيطة. أما اليوم، فقد جرى كسر جزء من هذه القاعدة. صحيح أن القوى الكبرى والإقليمية ما تزال حريصة على منع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن الاحتكاك المباشر نفسه لم يعد خطًا أحمر مطلقًا. لقد أصبح “العمل على حافة الحرب” أداة سياسية قائمة بذاتها، تُستخدم لتعديل موازين الردع، وتحسين شروط التفاوض، واختبار حدود الخصوم من دون الوصول إلى الانفجار الكامل.بهذا المعنى، تبدو المنطقة وكأنها دخلت عصر “الحروب المضبوطة”: لا سلام مستدامًا، ولا مواجهة حاسمة، بل اشتباكات مدروسة تُفتح وتُغلق وفق حسابات دقيقة، حيث يصبح التحكم بسقف التصعيد أهم من منع التصعيد نفسه.من الردع العسكري إلى حرب الاختناق الاقتصاديالتطور الأبرز في المرحلة الحالية يتمثل في انتقال المواجهة تدريجيًا من منطق الضربات العسكرية المباشرة إلى منطق التحكم بالممرات الحيوية وشبكات الاقتصاد العالمي. هنا تحديدًا، يعود مضيق هرمز إلى قلب المعادلة الدولية، ليس فقط بوصفه ممرًا للطاقة، بل باعتباره ورقة جيوسياسية تستخدم في إعادة رسم التوازنات الكبرى.التوترات البحرية الأخيرة وما رافقها من محاولات أميركية لتكريس حرية الملاحة في المضيق، وردود إيرانية محسوبة وحاسمة في آن، أظهرت أن الصراع تجاوز الإطار الإقليمي الضيق. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بأمن إسرائيل أو بنفوذ إيران، بل باتت تتصل مباشرة بحركة التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، وموازين العلاقة بين واشنطن وبكين.ووفق تقارير وتسريبات متداولة في دوائر سياسية وأمنية، دفعت الإدارة الأميركية باتجاه عمليات بحرية محدودة في محيط هرمز تحت عناوين حماية الملاحة الدولية، قبل أن يجري تقليص بعضها أو تعليقها بعد ارتفاع احتمالات الاحتكاك المباشر. كما شهدت المنطقة ضربات متبادلة ذات طابع “دفاعي” وفق توصيف الأطراف المنخرطة فيها، بينها استهداف مواقع جنوب إيران والرد الإيراني الذي طال ٣ قطع بحرية اميركية الى حديث عن قصف بعض المواقع في الامارات الذين نفته إيران، ومحاولات اعتراض أو تعطيل تحركات بحرية أميركية، في مؤشر واضح إلى أن الاشتباك البحري بات جزءًا ثابتًا من قواعد اللعبة الجديدة.غير أن الخطر لم يعد محصورًا بمضيق هرمز وحده. فمع تصاعد التوترات، عاد الحديث أيضًا عن احتمال انتقال الضغط نحو باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. وأي تعطيل واسع لهذا الممر، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في هرمز، لن يُنظر إليه كأزمة إقليمية فقط، بل كحدث يقترب من مستوى الكارثة الاقتصادية العالمية، نظرًا لانعكاساته المباشرة على حركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، والنقل البحري، والتضخم في الأسواق العالمية. فالعالم الذي لم يتعافَ بالكامل بعد من اضطرابات السنوات الماضية، يبدو اليوم أكثر هشاشة أمام أي اختناق مزدوج في طرق التجارة والطاقة.الأهمية الحقيقية لهذه التطورات لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في استخدامها كورقة ضغط استراتيجية. فواشنطن تدرك أن اقفال مستمر لهرمز يضع الصين -المستورد الأكبر للطاقة الخليجية- أمام معضلة اقتصادية حقيقية. ومن هنا، لا يبدو مستبعدًا أن يتحول أمن الملاحة في الخليج إلى بند تفاوضي غير مباشر في الحوار الأميركي–الصيني المقبل اثناء زيارة ترامب الى الصين، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الدولية الكبرى وإعادة احتدام المنافسة بين القوتين العظميين.اقتصاد الحرب: الأسواق بوصفها جبهة موازيةبالتوازي مع التصعيد العسكري، برز بعد آخر أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا؛ اقتصاد الحرب. فالتقلبات الحادة في أسعار النفط، وارتفاع كلفة التأمين والشحن البحري، والتسريبات المتكررة حول قرب التهدئة أو احتمالات التصعيد، خلقت بيئة مثالية للمضاربات المالية واسعة النطاق.هذا الواقع عزز الانطباع لدى كثير من المراقبين بأن إدارة الصراع لم تعد تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على التحكم بإيقاع الأسواق العالمية. فكل تصريح عن هدنة محتملة، أو كل تسريب حول انهيار المفاوضات، ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وأسواق المال. وفي منطقة تنتج الجزء الأكبر من الطاقة العالمية، يصبح الاقتصاد نفسه امتدادًا للحرب بوسائل مختلفة.الأخطر أن هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد يرفع منسوب الضبابية السياسية. فحين تتحول الأسواق إلى طرف غير مباشر في الصراع، تصبح إدارة المعلومات والتسريبات عنصرًا أساسيًا في إدارة المعركة نفسها. ولذلك، لم يعد من السهل التمييز بين الرسائل السياسية الفعلية، والحرب النفسية، والمضاربات الاقتصادية التي تستفيد من مناخ التوتر المستمر.الخليج: أولوية الاستقرار تحت ضغط النارفي الخليج، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات الرسمية. فالدول الخليجية، وفي مقدمها السعودية، خرجت من المواجهات الأخيرة بخلاصة أساسية: أي انفجار جديد وواسع في المنطقة لن يبقى تحت السيطرة وكلفته الاقتصادية قد تكون مدمرة حتى للدول الأكثر متانة ماليًا.لهذا السبب، لم تعد التهدئة بالنسبة إلى العواصم الخليجية مجرد خيار دبلوماسي، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية مرتبطة مباشرة بمستقبل مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، من “رؤية السعودية 2030” إلى مشاريع الموانئ والطاقة والاستثمار والسياحة في مختلف دول الخليج.الضربات التي طاولت مواقع حيوية مرتبطة بخطوط الطاقة والنقل، وما رافقها من رسائل مرتبطة بإمكانية تجاوز أو تعطيل بدائل هرمز، رفعت مستوى القلق الخليجي إلى درجات غير مسبوقة. فالمشكلة لم تعد فقط في إغلاق المضيق، بل في انكشاف البنية الاقتصادية الإقليمية أمام حرب استنزاف طويلة منخفضة الوتيرة.ومن هنا، يمكن فهم الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تقوده الرياض في أكثر من اتجاه، سواء عبر القنوات الأميركية أو الإقليمية أو حتى الآسيوية. فالسعودية تدرك أن تثبيت الهدنة، ولو بصورة هشة، أفضل بكثير من الدخول في دورة انفجارات متتالية لا يمكن ضبط نتائجها.لكن داخل المقاربة الخليجية نفسها، تظهر تباينات أكثر وضوحًا مما كان عليه الحال في السابق. ففي حين تميل السعودية ومعها دول خليجية أخرى إلى مقاربة تقوم على منع الانهيار الإقليمي الشامل والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، تتردد في المقابل قراءات وتحليلات تتحدث عن دور إماراتي أكثر تشددًا في مقاربة الصراع، يقترب في بعض جوانبه من الرؤية الإسرائيلية القائمة على إبقاء الضغط العسكري والسياسي مفتوحًا وعدم منح وقف إطلاق النار فرصة للتحول إلى مسار استقرار طويل الأمد.وبحسب هذه القراءات، فإن أبو ظبي تنظر إلى المواجهة الحالية من زاوية مختلفة، تعتبر أن أي تهدئة غير مقرونة بإضعاف كبير للمحور الإيراني ستعيد إنتاج التهديدات نفسها لاحقًا، ما يدفع باتجاه مقاربة أقل حماسة لتثبيت التهدئة وأكثر تقاطعًا مع الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الضغط واستنزاف الخصوم سياسيًا وأمنيًا. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا التوصيف، فإن مجرد تداوله يعكس حجم التباين داخل البيئة الخليجية نفسها حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة، بين من يعطي الأولوية القصوى للاستقرار الاقتصادي ومن يرى أن إعادة رسم موازين القوة يجب أن تسبق أي تهدئة مستدامة.الولايات المتحدة: حماية إسرائيل وحدود الالتزامأحد أبرز التحولات التي أفرزتها المواجهات الأخيرة يتمثل في إعادة تقييم العلاقة مع الولايات المتحدة داخل دوائر القرار الخليجية. فخلال الحرب، تكرس انطباع واسع بأن الأولوية الأميركية انصبت أولًا على حماية إسرائيل ومنع انهيار منظوماتها الدفاعية تحت ضغط الهجمات الصاروخية، فيما شعرت بعض العواصم الخليجية بأن أمنها بقي مكشوفًا أمام الصواريخ التي دكّت اضافة الى القواعد الأميركية في المنطقة، حقول الطاقة والمرافئ والمطارات في بعض دول الخليج.هذا لا يلغي حجم الوجود العسكري الأميركي الهائل في المنطقة، ولا القدرات الدفاعية التي توفرها واشنطن لحلفائها، لكنه يطرح سؤالًا أكثر حساسية، إلى أي مدى يبقى الالتزام الأميركي ثابتًا عندما تتعارض أولويات الأمن الإسرائيلي مع متطلبات الحماية الخليجية؟هذا السؤال لا يُطرح علنًا غالبًا، لكنه بات حاضرًا بقوة في النقاشات الاستراتيجية الخليجية، خصوصًا مع تنامي القناعة بأن الولايات المتحدة نفسها لم تعد راغبة في الانخراط بحروب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط، وأن أولوياتها الكبرى تتجه أكثر فأكثر نحو آسيا والمواجهة مع الصين.لبنان: من وقف الحرب إلى خطر تجميد النزاعفي لبنان لا تبدو الصورة منفصلة عن هذا السياق الإقليمي الأوسع فالجنوب اللبناني تحوّل تدريجيًا إلى أحد أبرز مختبرات وقف إطلاق النار بعد الهدنة التي اعلنت بين اميركا وإيران وكان مقرراً ان يكون لبنان من ضمنها لولا الانصياع اللبناني الذي حصل والذي لا داعي للتذكير به، حيث تستمر المواجهات.غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار التوتر، بل في احتمال الانتقال التدريجي من منطق “وقف الحرب” إلى منطق “تجميد النزاع”. والفارق بين المفهومين بالغ الخطورة. فوقف الحرب يفترض وجود مسار سياسي واضح يعيد إنتاج الاستقرار، ويسمح بعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار أما تجميد النزاع، فيعني عمليًا تثبيت واقع ميداني معلّق، قرى مدمّرة، مناطق حدودية شبه خالية، احتلال أو سيطرة نارية مستمرة، ومفاوضات طويلة تُدار تحت سقف الضغوط الدولية من دون حلول حقيقية.وما يزيد خطورة هذا السيناريو أن إسرائيل نفسها لا تتصرف بوحي منطق الالتزام الفعلي بوقف إطلاق النار فمنذ إعلان الهدنة، استمرت العمليات العسكرية بوتيرة يومية تقريبًا، من خلال مئات الغارات وعمليات القصف المدفعي والاستهدافات الجوية التي طاولت قرى وبلدات ومدن عديدة في جنوب لبنان. وفي المناطق الحدودية، لم يعد الأمر يقتصر على استهدافات عسكرية موضعية، بل اتخذ طابعًا تدميريًا ممنهجًا طال القرى الحدودية حيث عمليات تجريف وتدمير كاملة لتلك القرى، في وقت استمر فيه القصف باستهداف مختلف مظاهر الحياة اليومية، من طرقات ومنشآت وخدمات ومنازل، وسط عجز واضح للدولة اللبنانية التي تستجدي المفاوضات المباشرة وللجنة مراقبة وقف إطلاق النار عن فرض أي التزام فعلي أو ردع للخروقات المتواصلة. ولم يبق التصعيد محصورًا في الجنوب، إذ امتدت الغارات مؤخرًا إلى عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، في رسالة واضحة بأن إسرائيل ما تزال تتعامل مع الهدنة باعتبارها أداة لإدارة الضغط الميداني لا إطارًا ثابتًا لوقف العمليات العسكرية.المشكلة أن الضغوط الغربية وخصوصًا الأميركية، تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى محاولة انتزاع مكاسب أمنية لصالح إسرائيل من دون تقديم مقابل سياسي واضح للبنان. ومع مرور الوقت، جرى الانتقال تدريجيًا من معادلة “وقف النار قبل التفاوض” إلى معادلة أكثر خطورة تقوم على “التفاوض تحت النار” أملاً في الوصول لاحقًا إلى تخفيف التصعيد.هذا التحول يحمل تداعيات عميقة على الداخل اللبناني نفسه فبقاء الجنوب في حالة استنزاف مفتوح يعني عمليًا إبقاء جزء أساسي من لبنان خارج دورة الحياة الطبيعية والاقتصادية، وربط مصير الاستقرار الداخلي بمسار تفاوض إقليمي طويل وغير مضمون النتائج.وفي هذا السياق تبدو التطورات المرتبطة بمضيق هرمز ذات تأثير مباشر أيضًا على لبنان. فاستمرار التوتر في الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال تجدد المواجهات الكبرى، كلها عوامل تجعل سيناريو “تجميد النزاع” أكثر هشاشة وأقل قابلية للاستمرار، لأن أي انفجار إقليمي جديد سيعيد خلط الأوراق سريعًا، ويدفع الجبهات المفتوحةً وفي مقدمها الجنوب اللبناني إلى واجهة التصعيد مجددًا.تفاوض بلا تسويةفي موازاة التصعيد المنخفض الوتيرة، تتواصل المفاوضات الايرانية – الاميركية المباشرة برعاية باكستانية، وأخرى تجري عبر وساطات خلفية وإقليمية. اللافت هنا أن هندسة التفاوض نفسها بدأت تتغير فإلى جانب الأدوار التقليدية للقوى الكبرى، برزت محاولات لوساطات تقودها دول إقليمية تملك هامش حركة أوسع وعلاقات متقاطعة مع مختلف الأطراف.هذه الوساطات لا تبدو قادرة حتى الآن على إنتاج تسوية شاملة، لكنها تساهم في منع الانهيار الكامل وفي إبقاء خطوط التواصل مفتوحة في لحظات التوتر القصوى وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة المرحلة الحالية؛ الجميع يريد منع الحرب الكبرى، لكن لا أحد يملك بعد صيغة واقعية لإنهاء الصراع.اللافت أيضًا أن معظم الأطراف لا تتصرف بمنطق الحسم النهائي فإيران لا تبدو في وارد خوض مواجهة شاملة مفتوحة قد تهدد بنية النظام نفسه الاّ إذا فُتحت الحرب مجددًا عليها، والولايات المتحدة لا تريد التورط أكثر في حرب إقليمية طويلة ومكلفة اثبت الاسابيع الأخيرة انها لا تستطيع حسمها لصالحها، وتبقى إسرائيل الوحيدة التي تريد عدم انهاء تلك الحرب لغايات تخص نتنياهو شخصيًا واخرى تتعلق بحلم (إسرائيل الكبرى) الذي لا يمكن ان يتحقق ذلك -حسب مفهومهم- الا بزوال إيران و (سحق) المقاومة في لبنان، فيما يركز الخليج على حماية الاستقرار الاقتصادي ومنع تعطيل طرق التجارة والطاقةوهكذا، يتحول التفاوض تدريجيًا من مسار لحل الصراع إلى أداة لإدارته وتأجيل انفجاره.*الشرق الأوسط في زمن “التوازن الهش”*إذا جُمعت هذه العناصر كلها، تتضح صورة مرحلة انتقالية شديدة الخطورة:اشتباك خرج من الظل إلى العلن، هدنة غير مستقرة، اقتصاد عالمي يتأثر مباشرة بإيقاع الحرب، جبهات مفتوحة بدرجات متفاوتة، وفاعلون إقليميون يعيدون تموضعهم على وقع التهديدات المتبادلة.السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور ليس السلام، بل استمرار “التوازن الهش”؛ لا حرب شاملة ولا استقرار فعلي. غير أن خطورة هذا التوازن تكمن تحديدًا في هشاشته. فأي خطأ في الحسابات، أو ضربة تتجاوز السقف غير المكتوب، أو انهيار مفاجئ لمسار تفاوضي، قد يعيد المنطقة بسرعة إلى حافة الانفجار الكبير.في المحصلة، لم يدخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد الحرب، بل دخل مرحلة جديدة من تنظيم الصراع ضمن قواعد أكثر سيولة وأقل استقرارًا. الهدنة الحالية ليست تسوية، بل استراحة مشروطة تُدار بحذر شديد وبين سعي خليجي محموم لتثبيت الاستقرار ومفاوضات تتحرك ببطء فوق خطوط النار، وجبهات لا تزال مفتوحة من الخليج إلى جنوب لبنان يبقى الإقليم معلقًا على معادلة واحدة: إدارة دائمة لحافة الانفجار، بانتظار تسوية لم تنضج شروطها بعد.


