قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:داني الأمين

إعلانات عقارية مشبوهة صمت رسمي ومخاوف من اختراق يبدأ بالأرض
في ذروة الحرب المفتوحة على جنوب لبنان، وبينما لا تزال القرى الحدودية تتعرض للقصف والتجريف والتهجير، برزت ظاهرة شديدة الخطورة تستحق التوقف عندها بجدية؛ إعلانات متزايدة على مواقع التواصل الاجتماعي تطلب شراء أراضٍ ومنازل وشقق في الجنوب، بما فيها القرى الواقعة ضمن ما يسمّى “المنطقة الأمنية” التي احتلها العدو الإسرائيلي مؤخرًا.

اللافت أن هذه الإعلانات لا تصدر بخجل أو بشكل فردي عابر، بل تُنشر بوضوح واستفزاز، وبعضها يعلن صراحة الاستعداد لشراء أي عقار “حتى على الشريط الحدودي”. وكأننا أمام سوق عقارية مزدهرة، لا أمام منطقة منكوبة تحولت إلى أرض محروقة.

السؤال هنا ليس بسيطًا ولا بريئًا من يشتري اليوم أرضًا داخل منطقة حرب؟ ومن يضخ الأموال في قرى مدمّرة بالكامل، جُرفت منازلها وسُويت أحياؤها بالأرض ويُمنع أهلها حتى من الوصول إليها؟

وأي منطق استثماري يمكن أن يفسر الإقبال على شراء عقارات في مناطق قد تبقى سنوات خارج الحياة الطبيعية؟

ما يجري يتجاوز بوضوح فكرة “الاستثمار العقاري”. نحن أمام مشهد يثير شبهات سياسية وأمنية خطيرة، خصوصًا أن المناطق المستهدفة بالشراء هي نفسها المناطق التي يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحويلها إلى شريط أمني مدمّر وخالٍ من السكان.
فالمنطقة الحدودية اليوم ليست مجرد منطقة متضررة. إنها منطقة أُبيدت فعليًا. عشرات القرى تعرضت لعمليات تدمير ممنهج، منازل نُسفت بالكامل، أحياء أزيلت من الوجود، أراضٍ زراعية جُرفت، وبنى تحتية سُحقت بصورة تكشف أن الهدف لم يكن فقط توجيه ضربات عسكرية، بل خلق واقع جغرافي وديموغرافي جديد على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

وسط هذا الخراب الكامل، تظهر فجأة حملات شراء العقارات هنا تحديدًا تبدأ علامات الخطر لأن أي مراقب يدرك أن شراء العقارات في منطقة مدمّرة وغير مستقرة أمنيًا لا يمكن أن يكون مشروعًا اقتصاديًا طبيعيًا فلا عائد مالي متوقع، ولا استقرار يسمح بالاستثمار، ولا حتى ضمانات بإمكانية إعادة الإعمار قريبًا وبالتالي يصبح السؤال الحقيقي؛ هل هناك محاولة لاستغلال الحرب والضغط الاقتصادي والنفسي على الأهالي لدفعهم نحو بيع أراضيهم بأسعار متدنية؟
التاريخ الصهيوني في فلسطين يُظهر بوضوح كيف استُخدمت عمليات شراء الأراضي كأداة سياسية واستراتيجية، عبر مؤسسات مثل الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي، بهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي تمهيدًا للسيطرة الكاملة على الأرض. فالكثير من الأراضي التي أُقيمت عليها المستوطنات لاحقًا جرى الاستحواذ عليها بداية عبر سماسرة وشركات وواجهات مالية عملت تحت غطاء الاستثمار والشراء القانوني.

الأخطر أن المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية تربط هذه الحملات العقارية بشبكات مالية لبنانية مرتبطة بلوبيات خارجية معروفة بعلاقاتها مع المشروع الصهيوني ويبرز هنا اسم أحد كبار المصرفيين اللبنانيين، الذي يُتهم منذ سنوات بلعب دور أساسي في السياسات المالية التي ساهمت في الانهيار الاقتصادي اللبناني، من خلال المضاربات على الدولار وتجفيف العملة الأميركية من السوق قبل الأزمة، فضلًا عن دوره في احتجاز أموال المودعين وسرقتها تحت غطاء النظام المصرفي المنهار.

هذا المصرفي نفسه لم يخفِ يومًا علاقاته الوثيقة بدوائر النفوذ الأميركية الداعمة “لإسرائيل،” بل كان يتباهى علنًا بصلاته مع شخصيات مرتبطة باللوبي الصهيوني في الولايات المتحد واليوم، تتجه أصابع الاتهام نحوه باعتباره أحد أبرز الممرات المالية والسياسية لمحاولات شراء عقارات في الجنوب عبر واجهات لبنانية تعمل لصالح جهات خارجية.
قد لا تكون كل الوقائع مكشوفة بعد، لكن مجرد وجود هذه المؤشرات يفترض أن يضع الدولة اللبنانية أمام حالة استنفار وطني شامل. إلا أن ما يحدث هو العكس تمامًا.
صمت رسمي مطبق..، لا تحقيقات… لا رقابة لا قرارات استثنائية تمنع بيع الأراضي في المناطق الحدودية خلال الحرب.
لا متابعة لمصادر الأموال التي تتحرك بشكل مشبوه داخل السوق العقارية الجنوبية ولا حتى تحذير رسمي للأهالي من خطورة ما يجري كأن الدولة اللبنانية قررت الانسحاب الكامل من واحدة من أخطر المعارك المرتبطة بالأمن القومي والسيادة الوطنية.
والتاريخ اللبناني والفلسطيني مليء بالتجارب التي تثبت أن تغيير ملكية الأرض كان دائمًا أحد أخطر أدوات الاختراق السياسي والديموغرافي فما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة العسكرية، حاول مرارًا تحقيقه عبر المال والوسطاء والسماسرة.

لكن رغم خطورة المشهد، يبقى العامل الحاسم هو وعي أهل الجنوب أنفسهم هؤلاء الذين دفعوا الدماء دفاعًا عن أرضهم، وخاضوا عقودًا من المواجهة مع الاحتلال، لا ينظرون إلى الأرض كسلعة قابلة للبيع في زمن الخوف والدمار. بالنسبة إليهم، الأرض هي بقاء، وهوية وذاكرة وشهداء.
قد تُدمَّر القرى، وقد تُحرق الحقول، وقد يُهجَّر الناس مؤقتًا، لكن الجنوب الذي صمد في وجه الاحتلال لعقود لن يسقط في سوق السماسرة. لأن الأرض التي حُررت بالدم لا تُباع تحت النار.


مصنف في :