آخر الأخبار
النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الثلاثاء  الموافق 3  فبراير 2026         
صنعاء تحقق إنجازًا أمنيًا واستخباراتيًا جديدًا
طبقات الوعي عند الإنسان… من الغريزة إلى البصيرة…
من اغتال سيف الإسلام القذافي ؟
الأمن العام يحذر من استغلال العدو للبيانات!
اللواء شقير يستقبل سفيرة اليونان
من سيكون المتحدث باسم جيش الاحتلال للاعلام العربي؟
سلسلة غارات على قطاع غزة والعدو لا يلتزم بالاتفاق
قوات اليونيفيل:قنبلة صوتية انفجرت بالقرب منا
الإدارة الأمريكية تدلل “إسرائيل” وتصغي إلى مطالبها

قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:د.عبد الحليم قنديل

سواء تعجل الهجوم الأمريكى “الإسرائيلى” على إيران أو تأجل ، فإن أحدا لا يملك ترف الانتظار ولا عواقبه ، والحرب المتجددة واقعة فعلا فى الداخل الإيرانى ، وعلى مدى شهور أعقبت فشل حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ضد إيران ، وتبين كذب مزاعم “دونالد ترامب” بمحو البرنامج النووى الإيرانى ، وشل برنامج الصواريخ الباليستية المتطورة ، وادعاء “ترامب” بالذات ، أنه كان من الممكن اغتيال المرشد الإيرانى “على خامنئى” ، ومع تعاقب الشهور ، كان الأوروبيون لحقوا بالأمريكيين فى فرض عقوبات الحد الأقصى على الاقتصاد الإيرانى ، وإطلاق “آلية الزناد” مع نهاية المدة الافتراضية للاتفاق النووى الإيرانى فى أكتوبر 2025 ، وما أعقبه من تفاقم حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ، والتدهور غير المسبوق فى قيمة العملة الإيرانية إلى حد التلاشى تقريبا ، ووصول سعر الدولار الأمريكى إلى نحو المليون ونصف المليون “ريال” إيرانى ، وهو ما كان سببا مباشرا فى تفجير غضب التجار فى “بازار” طهران ، الذين يعانون أصلا من ركود طويل المدى فى الأسواق ، ووصل تذمرهم إلى حد إعلان الإضراب لأول مرة فى تاريخ علاقتهم مع نظام “الجمهورية الإسلامية” ، ثم توالت الاحتجاجات الشعبية فى عدد كبير من المدن الإيرانية منذ 28 ديسمبر 2025 ، وبدا ذلك مفهوما ومشروعا ، إلا أن الأخطر جرى فيما بعد ، فقد تحولت المظاهرات إلى مواجهات دموية عنيفة ، سقط فيها المئات ، أغلبهم طبعا من المحتجين السلميين على تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، لكن عشرات قتلوا أيضا من رجال الأمن وقوات الشرطة ، وهو ما بدا فى صورة حرب داخلية متسعة ، لم تنخفض حدتها إلا مع نزول ملايين المؤيدين للنظام القائم إلى الشارع ، بعد قطع اتصالات الإنترنت ، ووضوح كثافة التدخل الأمريكى “الإسرائيلى” فى حوادث إيران الداخلية ، وصدور تصريحات علنية لمسئولين أمريكيين كبار تتحدث عن وجود عناصر “الموساد الإسرائيلى” إلى جوار المتظاهرين الإيرانيين المحتجين .ولم يعد من أحد عاقل ينكر أو يقلل من حجم الدور الأمريكى “الإسرائيلى” والغربى عموما فى الأحداث الإيرانية الداخلية ، ومن أعلى المستويات الأمريكية وتوابعها “الإسرائيلية” ، وحتى الأوروبية الفاقعة ، على طريقة المستشار الألمانى “فريدريش ميريتس” ، الذى عكست تصريحاته العلنية جوهر أمنياته ، كان “ميريتس” نفسه ، قد أشاد بالكيان “الإسرائيلى” خلال حرب الإثنى عشر يوما ، وقال نصا أن “إسرائيل تقوم بالأعمال القذرة بالوكالة عن الغرب كله” ، وعاد “ميريتس” فى الأيام الأخيرة إلى تكرار الأمنية نفسها ، وقال نصا “أن أيام النظام الإيرانى باتت معدودة” ، فيما لم يتخفى مجرم الحرب “نتنياهو” بالهدف فى خطاب مباشر للشعب الإيرانى ، أشاد بما أسماه “بطولة الشجعان الإيرانيين” وتمنى أن يسقط النظام الإيرانى ، وأن تعاود الأمة الفارسية تعاونها مع “إسرائيل” لخدمة ما أسماه “ازدهار المنطقة وسلامها” ، وهؤلاء مع اشباههم ، لا يعنيهم طبعا ما ينسب للنظام من أوصاف الديكتاتورية والقمع الدموى الوحشى ، وكل ما يعنيهم ـ طبعا ـ تصفية التقدم العلمى والنووى والصاروخى والفضائى للنظام الإيرانى ، والأهم ـ عندهم ـ عداء نظام “الجمهورية الإسلامية” لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” والتوحش الأمريكى ، وإسناد طهران لحركات المقاومة المسلحة فى لبنان وفلسطين بالذات ، وبصرف النظر عن الدواعى ، وعن النزعات الطائفية المستشرية فى منطقتنا من زمن ، فإن أحدا لا ينازع فى حقيقة كون إيران داعما وحيدا بالسلاح والمال لحركات المقاومة العربية المسلحة ، فى حين تخضع أغلب الأنظمة العربية بدرجات متقاربة للأهداف والمطامع وحروب الإبادة “الإسرائيلية” ، وقبلها للسياسات والتوجيهات الأمريكية ، وبهدف نزع سلاح حركات المقاومة ، والهدف الأعلى للأمريكيين و”الإسرائيليين” فى هذه المرحلة بالذات ، هو قطع الرأس الإيرانى ، إما بالهجوم العسكرى الساحق ، على طريقة ماجرى ويجرى وسيجرى ، وإما بمساعدة الشعوب الإيرانية على التخلص من نظام المرشد “خامنئى” ، وعلى طريقة “ترامب” المتبجحة ، التى أعلنها صريحة ، ودعا المتظاهرين الإيرانيين إلى السيطرة على “مؤسسات الدولة” ، وقال لهم بوضوح أن “المساعدة ” فى الطريق إليكم والحقيقة الناطقة ، أن “المساعدة” كانت وصلت بالفعل قبل أن يعلنها “ترامب” ، ليس فقط بالدعم المالى ، ولا بتسليح قطاعات “إرهابية” تخفت فى صفوف المحتجين ، بل أيضا بمساعدات “تقنية” تمثلت فى تقديم خدمة “ستار لينك” ، وتوفير خدمة الإنترنت الفضائية عبر شبكة الأقمار الصناعية الخاصة بشركة الملياردير الأمريكى “إيلون ماسك” ، وقد فعلها “ماسك” بالتنسيق طبعا مع “الموساد” والمخابرات المركزية الأمريكية ، وجرى توفير مئة ألف جهاز “موبايل” متطور ، إضافة إلى 20 ألف طبق ومحطة استقبال أرضى للخدمة ، لكن السلطات الإيرانية بدت مستعدة على مايبدو للمواجهة التكنولوجية ، وقامت بالتشويش الإلكترونى على محطات استقبال إشارات الأقمار الصناعية ، وصادرت الكثير منها كما نشر مدعما بالصور ، وراحت تعتقل قادة الاحتجاجات الأعنف ، وأعلنت السلطة القضائية الإيرانية عن البدء فى محاكمات عاجلة لمن وصفتهم بالجواسيس ، وأيا ما كانت الموارد التى اعتمدت عليها سلطات النظام الإيرانى ، وسواء كانت ذاتية ، أو مقدمة كدعم تقنى من الأصدقاء الروس والصينيين ، فإن النتائج كانت نجاحا ظاهرا للنظام الإيرانى ، وهزيمة مفاجئة مبكرة لشبكة “ستارلينك” ، وعلى جبهة الحروب السييرانية ، حققت السلطات الإيرانية نجاحا حتى الآن فى إحباط عمليات تعطيل شبكات “الإنترنت الداخلى” المسموح به فى تشغيل مرافق حيوية كبرى .
إنها الحرب إذن ، وقعت وتتصل ، وتجرى معاركها سجالا على جبهات النار والتكنولوجيا وتجنيد الجواسيس ، وفى إيران بيئة خصبة لعمل الجواسيس ، وقد سقط الكثير منهم بعد حرب الإثنى عشر يوما ، لكن آلافا آخرين ربما يكون جرى تجنيدهم من أجهزة مخابرات أمريكا وإسرائيل والغرب عموما ، ليس فقط بسبب تردى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية فى الداخل الإيرانى عموما ، ولأسباب بعضها يتصل بسوء الإدارة والفساد الداخلى ، وأكثرها ناتج عن آلاف العقوبات الغربية المفروضة على إيران منذ انتصار ثورة الإمام الخمينى فى فبراير 1979 ، وفى سياقات الفقر عموما يسهل تجنيد الجواسيس ، خصوصا لو أضفنا عمل بعض الجهات العربية “الثرية” المساندة الخادمة لنشاط المخابرات الغربية و”الإسرائيلية” ، وفى التكوين الإيرانى ذاته ، ما يفيد عمل التجسس الخارجى ، فإيران دولة متعددة القوميات ، وأقل كثيرا من نصف السكان ينتمون للقومية الفارسية السائدة ، والباقون من قوميات أخرى كثيرة ، تبرز بينها القوميات الكردية والتركمانية والعربية والأذرية والبلوشية وغيرها ، إضافة لجالية يهودية واسعة نسبيا ، وعلى الخرائط ، تضاعف الجغرافيا من حجم الخطر ، فكل القوميات غير الفارسية ، تبدو متصلة عبر الحدود ببنى جلدتها ، فالأكراد الإيرانيون متصلون بالأكراد فى تركيا والعراق وسوريا ، والأذريون الإيرانيون متصلون بدولة أذربيجان اللصيقة ، والبلوش فى إيران على تواصل جغرافى مباشر مع البلوش فى باكستان ، والعرب فى الغرب الإيرانى على الشاطئ الشرقى للخليج العربى ، وهذه الجماعات القومية لها تواريخ تمرد دموية مع المركز الإيرانى الفارسى ، ومن هنا يختلط معنى التمرد القومى مع مصالح التجسس الراغب فى هدم النظام الإيرانى ، وبما يجعل أغلب حدود إيران مثقوبة مخترقة وربما مفتوحة عمليا ، يفوت منها جمل السلاح المهرب وغيره ، خصوصا إذا أضفنا حقيقة وجود قواعد عسكرية كبرى للأمريكيين و”الإسرائيليين” على حدود إيران ، وربما يستفيد التكوين الإيرانى تجانسا من اتباع أغلب القوميات للمذهب الشيعى الإثنى عشرى الحاكم ، وإن كان المذهب الشيعى مفيدا بدواعيه الاستشهادية المدافعة عن نظام آيات الله ، لكن المذهب نفسه قد ينطوى على نقطة ضعف ، تتمثل فى سلوك “التقية” الموروث ، الذى قد يسمح لجواسيس فى التظاهر بصورة الإخلاص الثورى الكذوب ، وفى التاريخ الإيرانى الأقرب ، سقط عشرات الجواسيس من المقاعد الأمامية للنظام القائم .
ورغم وجود نقاط الضعف ، فلا يبدو أن إيران الحالية ستكون صيدا سهلا فى حرب جارية متجددة ، حتى لو جرى خطف أو اغتيال المرشد نفسه ، وقد أثبت النظام مقدرته الهائلة على الصمود والتجديد الفورى لقياداته ، على النحو الذى جرت عليه الأمور فى مفاجآت “حرب الإثنى عشر يوما” ، وما من مكان للمفاجأة هذه المرة ، فالحرب جارية منذ شهور ، والقدرات الصاروخية للجيش و”الحرس الثورى” مستنفرة ، ومستعدة لردع الهجوم الأمريكى “الإسرائيلى” بأكبر بكثير مما كانت عليه فى الحرب السابقة ، حتى لو استخدم العدو الأمريكى “الإسرائيلى” أقصى ما فى وسعه عسكريا وتكنولوجيا ، خصوصا مع دعم صينى وروسى محسوس لدفاعات إيران الجوية ، وقد لا يتوقع عاقل أن يسقط النظام الإيرانى بضربات الجو مهما بلغت ضراوتها ، فوراء النظام كتلة شعبية صلبة لا تزال مؤثرة رغم الخنق الاقتصادى ، والحرب المتجددة قد تتعدى حدود إيران ، وبالذات مع الشهوة الأمريكية “الإسرائيلية” للقضاء على “حزب الله” فى لبنان ، وإمكانية اشتعال النيران العارمة مجددا من “غزة” إلى طهران .
Kandel2002@hotmail.com


مصنف في :