قلمي 🖊️ بندقيتي
د. نسرين منصور
حدّثني ذلك الكهل…يقول:جلستُ أوقد النار ليتدفأ أحفادي الأيتام، لكن المطر كان قد تساقط بغزارة حتى ابتلّ الحطب، فلم يعد قادرًا على الاشتعال….
كان الصغار أمامي يرجفون من شدّة البرد، ولم يكن في يدي سوى أعواد كبريت…
وملابسي….لا أنكر أنّي فكّرت في ذلك…
فكّرت أن أخلع سترتي وأوقدها، ليتدفؤوا على نارها، لكني لا أملك سواها…
نظرتُ إلى زوجتي العجوز…كانت ترتجف، وقد ازرقّت شفاهها… لحفتُها والصغار بذلك الغطاء المتهالك، لكن البرد كان أقوى من كلّ ذلك…
حينها… توضأتُ بماء المطر، وجلست أصلّي ركعتين لقضاء الحاجة….رفعتُ يديّ إلى السماء، ودعوتُ الله أن يُمسك المطر والبرد، وأن يرزقنا دفئًا من حيث لا نحتسب…يقول:
والله ما مكثتُ أكثر من نصف ساعة حتى إذا بسيارة تتوقّف أمام باب خيمتي…ترجّل منها شاب، يحمل بين يديه ثلاث أغطية صوفية ثقيلة، وربطة خبز، وبعض الطعام، وحزمة حطب….ناداني باسمي… لا أدري كيف عرفني؟
خرجتُ، فإذا به يُلقي كلّ ذلك إليّ ويقول:
«أيقظتني من نومي يا عمّاه، سامحك الله»….
قلتُ في عجب:
وكيف أيقظتك؟ لم أغادر خيمتي، والله…
قال:سمعتُ صوتًا يناديني باسمي:«انهض يا محمود… سيموت أبنائي،، أدركهم».
لمّا فتحتُ عيني، وجدتُ شابًا يقف أمامي….
قلت: من أنت؟
قال: أنا فضل… اذهب إلى أبي، دفّئ أولادي وأمّي…
قلتُ له: خذني إليهم…
رافقني في سيارتي، وكان جالسًا إلى جواري، حتى وصلنا خيمتك….
نظرتُ إلى جواري… فلم أجده…لا أدري أين ذهب؟؟
أظنّ أن بينك وبينه عهدًا، لم يشأ أن تراه يا عمّاه…
بكى الرجل، وجثا على ركبتيه، ثم نظر إليّ وقال:
ابني فضل شهيد منذ عامين..،وتابع يقول:
سقط الشاب أمامي على ركبتيه باكيًا، وقال:
والله يا عمّاه، كان معي الآن… لعلّه آخر من ادّعى اسم ابنك ليوصلني إليك…
أخرجتُ من جيبي صورة فضل، وقدّمتها إليه
فلمّا رآها، خرّ باكيًا، وأقسم أنّه هو.،.قبل رأسي..
قال… سامحني يا عماه…
كان علينا أن نتفقدك… لكن شغلتنا الدنيا ..ثم أطرق يردد…صدق الله العظيم حين قال:
﴿ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾
ثم أقسم لي،، بأن زوج أخته شهيد،، ومنذ يوم استشهاده… يأتي طير أبيض ويقف على نافذة بيتها ،، ولا ينصرف إلا إذا نامت،،.. أخبرنا البعض أنها روح زوجها،،، لكننا لم نصدق…..
لكني اليوم أصدق يا عماه… وأصدق أنهم أحياء،، ولكننا لا نشعر بهم….
من بين أروقة المعاناة…
“القصة واقعية ومن قلب غزة”.



