قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:الكاتب أسعد أبو خليل
صحيفة الأخبار اللبنانية
يروي المرافق الشخصي لياسر عرفات، محمد الداية أنّه في أحد اللّقاءات التفاوضيّة مع العدوّ في واشنطن أبدى أرييل شارون تكبّراً وفظاظةً في التعامل مع ياسر عرفات. شرحَ عرفات لمرافقه الأمين السبب، قال له: لا تنسَ أنّني هزمتُ هذا الجنرال في بيروت وكان عرفات يقول عن نفسه إنّه جنرال. وكان عندما يلتقي بشارون في المفاوضات يقول له: نحن نتخاطب جنرالاً مقابل جنرال عرفات صدّقَ مزاعمه وأكاذيبه ومبالغاته وعاد ذلك على الحركة الوطنية الفلسطينيّة بالوبال الشديد. سخِرَ عصام السرطاوي من عرفات يومها (عن نصر 1982) وقال: نصرٌ آخر ويصبح المنفى الفلسطيني في «فيجي» وليس في تونس. المكابرة هي العنوان…لكنّ مراجعة تاريخ حركات التحرّر تشير إلى أهمية المصارحة والصِّدق من أجل النهوض وإعادة البناء. أميلكار كابرال، الذي ناضل ضدّ الاستعمار البرتغالي في أفريقيا، نصحَ في كتاب له بالتالي: «لا تُخفِ شيئاً عن جماهير شعبنا. لا تكذبْ. افضحِ الأكاذيب عندما ترِد. لا تُخفِ الصعوبات والأخطاء والتعثّرات. ولا تعلنِ انتصارات سهلة».كان فون جون جياب وهو شي منه، على قدر كبير من الصِّدق والصِّدقيّة والاعتراف النادر بالهزائم والفشل. كانت القيادة الفيتناميّة تتعامل مع السقطات على أنّها دروس ولا يجب أن تُغلَّف ببريق. وبعد عددٍ من الإخفاقات في الانتفاضة في 1940-1941 اعترف هو شي منه بارتكاب أخطاء. والجنرال جياب كان صريحاً حول كارثة «روت كولونيال» في 1949. وفي سنوات النضال اللّاحقة، اعترفت حركة الـ«فيت كونغ» (داخليّاً وحتى علناً في ما بعد) بخسائرها الكبيرة خلال «هجوم تيت» في عام 1968. رأى المناضلون الفيتناميّون أنّ المصداقيّة بين المزارعين وكوادر الحزب تتفوّق في الأهميّة على بطولات دعائيّة.
ونضال جبهة التحرير الجزائريّة كان مختلفاً تماماً في الإعلان والبيانات عن نضال منظّمة التحرير التي لم يتحرّك فدائي واحد منها إلّا وأصاب مَقتلاً في العشرات من جنود العدوّ وضبّاطه (كان ريمون إدّه يسخر من المقاومة الفلسطينيّة ويقول: أصدّق هذه المزاعم لو تأتوني يوماً ما بزرّ من بزّة عسكريّة لجندي إسرائيلي. الذي زار متحف مليتا يعلم أنّ مقاومة الحزب جلبت عشرات البزّات وغنمت أسلحة ومعدّات في قتالها مع العدوّ). كانت إعلانات جبهة التحرير الجزائريّة مُقلّة وحريصة، والبيانات الداخليّة درجت على نشْر النقد الذاتي.واعترف القادة بضعف كبير في التنسيق في 1954-1956، كما إنّ الجبهة اعترفت بخسائر كبيرة خلال الحملة المضادّة للثورة التي شنّها الفرنسيّون في 1957-1958. وكتابات بن بلّة وبلقاسم كانت متحفّظة في سرْد بطولات. كانت المصداقيّة مع المدنيّين والخصوم هاجساً عند الجبهة الجزائريّة. أمّا في الحالة الصينيّة، فإنّ ماو تسي تونغ هو الذي أسّس ممارسة تنظيميّة فعليّة لـ«النقد والنقد الذاتي». واعترف علناً بكوارث عسكريّة قبل المسيرة الطويلة واعترف بأخطاء في المواجهات المُبكِّرة مع قوات تشين كاي تشيك. أدبيّات الحزب الداخليّة أشارت إلى ذلك بصراحة انعدمت في حالة منظّمة التحرير.
الحالة الكوبيّة كانت الأكثر شفافيّة في النضال الثوري. فيديل كاسترو قالها علناً: إنّ إنزال «غرانما» كان كارثياً، وإذاعة الثوار اعترفت بإصابات بالغة في المرحلة الأولى من القتال في سييرا مايسترا. ومذكّرات تشي غيفارا ذكرت ذلك. وعلى عكس منظّمة التحرير (بكلّ فصائلها حتى لا نخصّص حركة «فتح» المعروفة بالمبالغات والمكابرة) فإنّ الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي كان يعلن فشل عمليّات تفجير (لا أذكر حالة واحدة مماثلة في سجلّ فصائل المقاومة الفلسطينيّة).
ولا ننسى أنّ «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي تشكّلت بعد انهيار نظام الفصل العنصري، احتفظت بنمط الشفافية والمصارحة الذي كرّسه المؤتمر الوطني الأفريقي تحت قيادة نلسون مانديلا. وعلى النمط نفسه، عمدَ الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى مصارحة جمهوره بالحقائق لأنّه كان يخشى من تناقض في المزاعم بين إعلاناته ومضامين إعلام بريطانيا. حتى أنّ حركة «سن فنّ» اعترفت في ما بعد أنّ الكفاح المسلّح وحده لم يكن كافياً.حزب الله حالة خاصّة لأنّ الحزب استخلص الدروس من تجارب الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة. حتى البيان التأسيسي لجبهة المقاومة الوطنيّة (جمّول) تضمّن نَفَساً انتصاريّاً مفرطاً وكلاماً عن دروس لم ينسها العدوّ (في الوقت الذي انهارت فيه القوات المشتركة في الجنوب) كما إنّ البيان تحدّث عن «جريمة اغتيال المرحوم الشيخ بشير الجميّل». الحزب تجربة مختلفة لأنّه لم يكن يهتم حتى بنَسْب عمليّات لنفسه، واستعمل أسماء تمويهيّة لتضليل العدوّ وعملائه المنتشرين. هذه التجربة في السرّية الفائقة هي التي حمت الحزب وأهّلته للانطلاق والصعود الكبير.
في سنوات النضال اللّاحقة، اعترفت حركة الـ«فيت كونغ» (داخليّاً وحتى علناً في ما بعد) بخسائرها الكبيرة خلال «هجوم تيت» في عام 1968. رأى المناضلون الفيتناميّون أنّ المصداقيّة بين المزارعين وكوادر الحزب تتفوّق في الأهميّة على بطولات دعائيّة
لا شكّ أنّ شخصيّة نصرالله أثّرت على الإيمان بالمصداقيّة والشفافيّة. حتى في آخر خطاب له اعترف أنّ عمليّة الـ«بيجرز» كانت إنجازاً للعدوّ وذكّرني صديق -حتى لا ننسى- أنّ نصرالله وعدَ بإجراء تحقيق في قضيّة الـ«بيجرز» كما وعدَ بإعلان نتائج التحقيق أين نحن من ذلك اليوم؟
أمّا عن الفصل في الهزيمة والنصر في حرب الإسناد، فهناك وجهات نظر للحجّتَين المُتقابلتَين. ينبغي المفاضلة بينهما قبل أن نستخلص الحُكم، ولو كان قاطعاً.
في أنّ الحزب تعرّض لهزيمة، يمكن إيراد بعض النقاط:أوّلاً، خسر الحزب زعيمه الذي طبعه بطابعه والذي حوّل الحزب إلى أكبر حزب سياسي في العالم العربي («البعث» كان حزباً كبيراً أيضاً في التاريخ المعاصر كما الحزب الشيوعي السوداني قبل الضربة من جعفر النميري)خسارة نصرالله لا تُعَوَّض بالنسبة إلى الحزب، وهذا معروف عند أصدقاء الحزب وخصومه فرضَ نصرالله وجوده على المحور برمّته وكان بالفعل -كما اعترف نتنياهو- قائده الفعلي (تنشغل المواقع والإعلام الخليجي بنشر صورة لنصرالله وفيها يقبّل يد خامنئي من دون ذكر المقارنة بين الموقع الديني للمُرشد عند مُقلّديه من الشيعة وبين بابا روما عند مريديه من الكاثوليك).
من العجيب أنّ نصرالله بقي على قيد الحياة كلّ هذه السنوات والسبب أنّ أميركا تهيّبت غيابه عن الصورة لأنّها خافت أن يفلت الحزب من عقاله لو سمحت أميركا لإسرائيل باغتياله (عندما تهدّم إسرائيل أبنية بحالها وأحياء مع ساكنيها لا نستطيع أن نتحدّث عن اغتيالات أو عن «قتل استهدافي» بل عن عمليات جرائم حرب سافرة).
ثانياً، عمليّة الـ«بيجرز» هي هزيمة للجهاز الأمني والاستخباراتي والعسكري للحزب. هذا الاستسهال في طلب آلاف مؤلّفة من أجهزة الاتصال في عصر التجسس الإلكتروني (من دون حتى أن نذكر وسائل التجسس المعتمدة على الذكاء الاصطناعي) هو خسارة كبيرة ويحتاج إلى تحقيق وإعلان نتائج لو أنّ الحزب أراد أن يُعزِّزَ مرّة أخرى ثقة مؤيّديه وجمهوره بقيادته. لا يحتاج الحزب أن يعلن نتائج تحقيقاته بالتفصيل أو ذِكر كلّ الأسماء، لكنّ هناك مسؤولين عن عمليّة الطلب وعن عدم إجراء فحوصات دقيقة على آلاف من الأجهزة المُستوردة من الخارج، وليس من دول صديقة للحزب. الضربة هذه تسهم في ترجيح كفّة الحُكم بهزيمة في المواجهة الكبرى.
ثالثاً، القضاء على قيادة «الرضوان». في أيّ حرب، يكون هناك أولويّة في حماية القيادة السياسية والعسكريّة. لكنّ «الرضوان» هي قوّة النخبة وهناك من اتّخذ قراراً بجمْع كلّ القادة في مكان واحد تحت سقف واحد، ما أعطى فرصة لا تُعوَّض للعدوّ.
رابعاً، انتهت الحرب وتمدّدَ الاحتلال في الأراضي اللّبنانيّة وجاهرت إسرائيل بخرْق الاتّفاق مع لبنان لوقْف الأعمال العدائيّة.
خامساً، انهار «توازن الرعب والردع» الذي فرضه الحزب بعد التحرير في 2000. والمُبهر أنّ التوازن زاد قوةً وصلابةً بعد حرب تمّوز.
سادساً، إنّ المقارنة بين حرب تمّوز وحرب الإسناد تُظهر تفوّقاً واضحاً لا لبسَ فيه لصالح حرب تمّوز. إنّ وضوح نصر تمّوز وحسمه (باعتراف الإعلام الغربي، مثل «الإيكونيميست» التي عنونت «أن نصرالله انتصر»، وباعتراف لجان التحقيق الإسرائيليّة. طبعاً، هناك شماعنة في لبنان ممّن أصرّوا أنّ إسرائيل هي التي تمنّعت عن تحقيق النصر وذلك رأفةً بسكّان لبنان.
سابعاً، ليس هناك من إجماع لبناني حول انتصار الحزب. في حرب تمّوز، اعترف خصوم الحزب يومها (مثل وليد جنبلاط) أنّ الحزب انتصر وسألوه ذلك السؤال الغريب، عن الجهة التي سيهدي الحزب نصره إليها.
ثامناً، لم يستطع الحزب، كما المرّة الماضية، فرْض وقْف صارم للنار. لا يزال الحزب يلتزم بوقْف النار فيما يستمرّ العدوّ في ارتكاب الجرائم بصورة شبه يوميّة. هذا يقوّض مقولة انتصار الحزب.
تاسعاً، قبِلَ الحزب بمبدأ نزْع السلاح وفرْض تفتيش دقيق لكلّ القرى والبراري جنوب نهر الليطاني. لم يستطع العدوّ فرْض ذلك بعد حرب تمّوز.
عاشراً، إنّ بنيان المحور انهار، بعد سقوط النظام السوري وبعد تقييد أيدي الحشد الشعبي في العراق (وتحييدهم في المعركة منذ بدايتها) وبعد تغيير في تركيبة القيادة السياسيّة للنظام الإيراني في غير صالح الحرس الثوري الإيراني. لو أنّ الحزب انتصر كما انتصر في حرب تمّوز كان يمكن الحفاظ على قوّة المحور برمّته. غياب نصرالله بحدّ ذاته أضعف المحور إلى حدٍّ بعيد.
حادي عشر، الحصار الاقتصادي المفروض على أهل الجنوب وعلى الحزب وحلفائه لا يُبشّر بنصر أبداً. وأداء الحزب السياسي، وبخاصّة سكوته عن منْع الطيران المدني الإيراني من الهبوط في لبنان والحرب على منظّمات مدنيّة للحزب، يعكس ضعفاً يستغلّه خصومه الداخليّون والخارجيّون (والتنسيق بين الجانبَين ظاهر للعيان، لكن هذا موضوع آخر).
أمّا في حجّة نصر الحزب، فيمكن إيراد هذه النقاط:
واحد، الحجّة التي أوردها نعيم قاسم لسَوق فكرة نصر الحزب مفادها أنّ الحزب انتصر (في نصرٍ «أكبر للمقاومة من نصر حرب تمّوز 2006» لأنّ الحزب منع «العدوّ من إنهاء حزب الله والمقاومة»). هنا، ورغم المبالغة البيانيّة في الظاهر، يمكن عقْد مقارنة مع حالة منظّمة التحرير في 1982 حيث طُردت كلّ قواتها من لبنان وفُصلت عن أهل المخيّمات العزّل، ما سهّل ارتكاب المجازر في صبرا وشاتيلا (الذين يصرّون على نزْع سلاح الحزب ينسون المقارنة الماثلة في أعين كل أهل الجنوب والضاحية والبقاع). صحيح أنّ الحزب لا يزال موجوداً، لكن في أي حال هو؟ ما هي طبيعة القوّة العسكريّة للحزب؟ الحزب غير مضطرّ لتقديم كشْف حساب أمام الناس، والكشْف سيكون في صالح أعدائه، لكنّ الرأي العام يمكن له أن يقيِّم بناء على مجريات الأرض التي هي في صالح العدوّ.
(يتبع)
- كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس



