في تاريخ الحروب، لم تكن الهزائم دائمًا نتيجة نقص القوة أو قلة العتاد. كثير من الجيوش انهزمت وهي في ذروة التفوق، ليس لأنها لم تعرف كيف تنتصر، بل لأنها لم تعرف متى تتوقف…
هذا الخطأ، الذي يبدو بسيطًا أمام وهج الانتصار، يُعتبر من أخطر الأخطاء الاستراتيجية التي يمكن أن يقع فيها قائد أو حركة أو دولة…
نشوة الانتصار… عدُوّ لا يُرى…
بعد كل تقدم عسكري، يتولّد شعور داخلي بالقوة والهيمنة. هذا الشعور، إذا لم يُضبط، يُصبح أشبه بضباب كثيف يحجب الرؤية. يرى القائد نفسه أقوى مما هو عليه، ويظن أن خط الانهيار هو خط صعود جديد…
تاريخيًا، هُزمت جيوش عظيمة لأن الجنرالات صدّقوا أنّ الخصم بات يلفظ أنفاسه الأخيرة…
لكن الخصم كان فقط ينتظر خطأ واحدًا
الحرب ليست سباق قوة… بل لعبة توقيت
الانتصار الحقيقي لا يقاس بالمساحات التي تربحها، بل بالحظة التي تعرف فيها أنك ربحت بما يكفي…
عدم معرفة “اللحظة الذهبية” للتوقف يحوّل الانتصار إلى استنزاف، والاستنزاف إلى خسارة، والخسارة إلى انهيار…
كل خطوة إضافية بعد الذروة… هي بداية الهبوط…
علم الاستراتيجية يقول إن كل قوة تصل إلى نقطة ذروة عملياتية (Culmination Point) بعدها تبدأ قوتها بالتراجع مهما بدت قوية…
الخصم الذكي لا يقاتلك في صعودك… بل ينتظرك عند أول خطوة تتجاوز بها حدود قدرتك. من يعرف التوقف… يربح الحرب حتى لو خسر معركة…
أحيانًا، التوقف ليس ضعفًا بل قمة الذكاء.
الانسحاب التكتيكي، تثبيت المكاسب، بناء خطوط دفاع جديدة، أو الذهاب لتفاوضٍ مدروس كلّها قرارات تحتاج شجاعة أكبر من قرار الهجوم…
إمبراطوريات انهارت لأنها تخطّت حدود قدرتها الجغرافية…
حروب ضاعت نتائجها لأن المنتصر استمرّ في القتال بدل تثبيت مكاسبه…
حركات مقاومة تم استنزافها حين اعتقدت أن الطريق مفتوح بلا سقف…
القائد الذي يحترم قوانين الحرب يعرف أن التوقف في اللحظة المناسبة هو تمامًا مثل إطلاق الرصاصة الأولى: يحتاج إلى عقل بارد، تقدير دقيق، وعدم الانجرار وراء النشوة…
الحرب ليست انتصارًا على الخصم فقط…
بل انتصارًا على غرورك الخاص
أكبر خطأ استراتيجي في أي حرب هو أن تستسلم لنشوة الانتصار وتفقد الإحساس بالحدّ الزمني للمعركة…
من لا يعرف متى يتوقف، يخسر ما حقّقه، ويُهدي الخصم فرصة لم يكن يحلم بها . . .
البارون…



