تُعدّ فكرة الشهادة من أعمق المفاهيم التي التقت عندها الديانات والثقافات المختلفة رغم اختلاف الزمان والمكان. فالشهادة ليست موتٍ في معركة، بل هي في جوهرها موقفٌ أخلاقي وروحي، يُعبّر عن استعداد الإنسان للتضحية بنفسه دفاعًا عن إيمانه أو قضيته أو كرامته…
منذ القدم، رأت البشرية في الشهيد تجسيدًا للحقيقة المطلقة التي تتجاوز الخوف من الموت، وترتقي بالنفس إلى مستوى الفداء من أجل الآخرين…في اليهودية ارتبط مفهوم الشهادة بما يُعرف بـ”تقديسالاسم” (Kiddush Hashem)، أي الموت في سبيل الحفاظ على نقاء الإيمان ورفض عبادة الأصنام أو إنكار الله. وقد اعتُبر المكابيون نموذجًا مبكرًا لهذه الفكرة، إذ ضحّوا بأنفسهم رفضًا للذوبان في ثقافة القهر…
أما في المسيحية، فالمعنى اتخذ بُعدًا وجوديًا أعمق. فالمسيح نفسه يُعدّ الشهيد الأول، الذي قدّم دمه فداءً عن البشرية… ومن بعده، صار الشهداء في الكنيسة الأولى “شهودًا للمسيح”، ومثالًا على قوة الإيمان أمام العذاب والموت. تحوّلت الشهادة هنا إلى طريق للخلاص الروحي، وإلى رمزٍ للانتصار الأخلاقي على الظلم…
وفي الإسلام، اكتسبت الشهادة بعدًا متكاملًا يجمع بين البعد الإيماني والإنساني… فالشهيد لا يُنظر إليه كمجرد قتيل في معركة، بل كروحٍ حيّة عند ربها، نالت كرامة خاصة لأنها اختارت طريق التضحية في سبيل الحق والعدالة. يقول الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون…
هنا تتجلّى الشهادة كقيمة تتجاوز الحرب، لتشمل الدفاع عن المظلوم، والتمسك بالحق حتى آخر لحظة من الحياة…
ولم يخلُ الفكر الإنساني خارج الديانات الإبراهيمية من هذه الفكرة؛ ففي البوذية والهندوسية، تظهر الشهادة في صورة “الفداء الطوعي” من أجل إنقاذ الآخرين أو حماية الحقيقة الكونية (الدارما)… أما في الزرادشتية، فهي جزء من الصراع الأبدي بين قوى النور والظلام، حيث يضحّي المؤمن بنفسه في سبيل انتصار الخير…
تتقاطع هذه المفاهيم جميعها عند نقطة جوهرية واحدة: أن الحياة ليست قيمة في ذاتها إن انفصلت عن المعنى. الشهيد هو الذي يمنح الموت معنى، لأن موته يصبح رسالة تتجاوز جسده. ومن هنا، تحوّل الشهداء إلى رموز تُلهِم الشعوب في مقاومة الاحتلال والطغيان، كما في كربلاء أو في صلب المسيح أو في معارك التحرر المعاصرة…
الأمم التي تحفظ دماء شهدائها بالذاكرة والصدق، لا تموت أبدًا . . .
“البارون”…



