قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:علي مرتضى

لا تبدأ الحروب في صراعات المنطقة عند أول طلقة ولا تنتهي عند آخر هدنة فإلى جانب خرائط السيطرة وموازين القوة، تدور معركة أقل ضجيجاً تدور حول المعنى: من يقدّم الحرب لجمهوره؟ وبأي سردية؟ وبأي ذاكرة ؟
قد تبدو المسألة تفصيلاً لغوياً، لكنها في الواقع مسألة بالغة الخطورة.. الطريقة التي تُسمّى بها العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وما تكشفه عن علاقة أصحابها بماضيهم، وعن علاقة خصومهم بماضيهم هم…يكشف سجل التسميات الإسرائيلية عن نمط متصل لا عن مصادفات متفرقة فعملية «نحشون» عام 1948 حملت اسم شخصية من التراث اليهودي وحملة سيناء عام 1956 اتخذت اسم «قادش»، الموقع الوارد في العهد القديم وبعد عقود جاءت «عمود السحاب» عام 2012 بصورة مستمدة من سفر الخروج، ثم «حارس الأسوار» عام 2021 بما تحمله من إحالة إلى القدس وأسوارها في النصوص التوراتية، وفي العمليات الأحدث، قُدّمت «الأسد الصاعد»، بحسب ما أُعلن، بوصفها مستمدة من سفر العدد وصورة شعب ينهض كالأسد، وارتبطت «زئير الأسد»، وفق ما ورد في سياق تقديمها، برمزية الأسد في الذاكرة الصهيونية.
وتتفاوت هذه الأسماء في وضوح حمولتها الرمزية، وقد يكون بعضها اختير لوقعه الإعلامي أكثر من دلالته، لكن الاتساق العام في الاستدعاء يصعب تجاهله…وتتضح وظيفة هذا النمط من طريقة اشتغاله، فحين تُنسب عملية اليوم إلى حدث أو رمز من الماضي، تتحول من قرار عسكري ظرفي إلى حلقة في سرد ممتد، ويتلقى الجندي هذه الرسالة قبل أن يتحرك، ويتلقاها المجتمع قبل أن يحاسب، ويتلقاها العالم في عنوان نشرة الأخبار قبل أن يقرأ التفاصيل.
وهذه الآلية موصوفة في دراسات القومية بمفهوم «اختراع التقاليد»، أي بناء استمرارية مع ماضٍ مختار لمنح الحاضر شرعية، وقد رأى مؤرخون، بينهم “الإسرائيلي” شلومو ساند، أن السردية القومية الصهيونية أعادت تشكيل الماضي بما يخدم مشروعها السياسي، ووفق هذه القراءة، فإن ما يُقدَّم بوصفه تاريخاً عريقاً هو في جانب منه تاريخ جرى انتقاؤه وصياغته ثم تعميمه عبر الإعلام والتعليم والتسمية.
ويتجلى البعد الإعلامي في أن الأسماء تُصاغ لتعمل على جمهورين في وقت واحد: جمهور داخلي يتعزز لديه الشعور بالاستمرارية والاستحقاق، وجمهور خارجي يتلقى العملية بإطار يوحي بالعراقة والمعنى، وحين تردد وسائل الإعلام الأسماء كما هي، من دون مساءلة أو تعليق، تتحول إلى ناقل لهذا الإطار، فيدخل المصطلح إلى اللغة الدولية للأخبار حاملاً حمولته. ويضاف إلى ذلك أن الاسم يُحدث ألفة مع العملية، إذ يصبح لها عنوان قابل للتداول يخفف من حضور تفاصيلها وكلفتها الإنسانية في الخطاب العام.
في المقابل، يطرح المشهد العربي سؤالاً مؤلماً فبينما تتمسك الحركة الصهيونية بروايتها وتُحسن توظيفها، تبدو علاقة قطاعات واسعة في المجتمعات العربية بتاريخها ضعيفة ومرتبكة تُختزل الحضارة في صور سطحية، وتُقابل الرموز التاريخية بالسخرية، وتتداخل الوقائع الموثقة بالروايات المختلقة حتى يعسر التمييز بينها، ويُستخدم وصف «الرجعية» أحياناً لقطع الصلة بالماضي بدل نقده.
ويتولد عن ذلك شعور لدى بعضهم بأن هذا التاريخ بلا قيمة معاصرة، فيتخلون عن الدفاع عنه، أو يتلقون صورته من أعين غيرهم وهنا تحديداً يكمن الفرق بين نقد التراث، وهو ضرورة علمية، والقطيعة معه، وهي فراغ يملؤه الآخرون.
وليس هذا توصيفاً شاملاً لكل العرب، فثمة إنتاج بحثي وتعليمي وثقافي جاد في أكثر من بلد لكن الاتجاه العام الذي يشكو منه كثير من المثقفين هو الفجوة بين حجم الإرث ومستوى حضوره في الوعي العام، وتكمن الخطورة في أن المجتمع الذي لا يعرف تاريخه يضطر إلى تلقي تعريف نفسه من الآخرين، فيصبح خصمه هو من يشرح له من كان وتشير تجارب الشعوب الواقعة تحت الهيمنة إلى أن فقدان السردية يسبق في أحيان كثيرة فقدان القدرة على الفعل، لأن الفعل يحتاج إلى معنى يسوّغ ثمنه…ويزداد المشهد دلالة حين يُنظر إلى التجربة الإيرانية فبرغم أن إيران دولة غير عربية، تحمل منظومتها العسكرية أسماء مستمدة من التاريخ الإسلامي والعربي: «ذو الفقار» نسبةً إلى سيف الإمام علي”ع”، و«خيبر شكن» إحالةً إلى غزوة خيبر، و«سجّيل» من لفظ قرآني، و«فتّاح» و«قدر»، وفي أسماء العمليات المعلنة جاءت «الوعد الصادق» بعبارة قرآنية في هجمات عامي 2024 و2025، و«بشائر الفتح» في استهداف قاعدة العديد في قطر في يونيو 2025.
وتبرز الدلالة هنا من الجهة المقابلة: طرف غير عربي يرى في الرمز الإسلامي والعربي رصيداً يستحق التوظيف في خطابه العسكري والتعبوي، في حين يتردد كثير من العرب في استدعاء الرصيد نفسه أو يسخرون منه وبحسب هذه القراءة، تكشف المفارقة أن المسألة ليست غياب التاريخ،إنما غياب الثقة بقيمته لدى أصحابه الأصليين وقد صرّح مسؤولون إيرانيون في مناسبات بأن الأسماء تُختار لدلالتها المعنوية، وهو ما يعزز قراءتها جزءاً من خطاب يستمد شرعيته من تاريخ لا ينظر له اصحابه اصلاً.
وتأتي تجارب المقاومة العربية لتضيف حلقة أخرى، من «حجارة السجيل» عام 2012 و«العصف المأكول» عام 2014، وكلتاهما من القرآن الكريم، إلى «سيف القدس» عام 2021 و«طوفان الأقصى» عام 2023، وتعكس هذه الأسماء محاولة واعية لربط القتال بمرجعية مستقرة في وجدان الجمهور، غير أن حضورها يبقى في أغلبه في نطاق الحركات المقاتلة، ولا يقابله بالقدر نفسه جهد مؤسسي واسع في التعليم والإعلام والثقافة العامة.
وهكذا ترسم الأمثلة صورة متدرجة: طرف يبني حاضره على سردية مختارة ويحرسها، وطرف يستعير من الإرث العربي والإسلامي ليكون حارسا اسلامياً حقيقي في زمن غياب صاحب الأرث الأصلي، وصاحب الإرث الأصلي الذي يتردد في المطالبة به، والمعنى الاستراتيجي أن الحرب على الذاكرة لا تنتظر المعارك، وأن الفراغ فيها لا يبقى فراغاً، فمن لا يكتب روايته يُكتب له ما يشاء الآخرون…والرد المطلوب ليس مضاهاة اسم باسم، فالتسمية الجيدة لا تنفع بلا معرفة وراءها المطلوب علاقة جادة بالتاريخ تُبنى عبر التعليم والبحث والإعلام، تحتمل النقد ولا تقع في القطيعة ولا في التمجيد ومن يتولى كتابة هذه الذاكرة اليوم هو من سيحدد، في المدى البعيد، كيف يُروى هذا الصراع وعلى لسان من.؟؟؟


مصنف في :