قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم: داني م. الأمين
في الجلسات النيابية الأخيرة، اكتشفنا مجددًا أن نواب «أبو عمر» يعيشون، على ما يبدو، في لبنان آخر غير لبنان الذي نعيش فيه نحن…لبنانهم لا يعاني من ارتفاع جنوني في الأسعار، ولا من كهرباء تقطع وتعود وفق مزاج الشبكة، ولا من صفيحة بنزين أو مازوت تجاوزت الثلاثين دولارًا لا مدارس تستنزف جيوب الأهالي، ولا مواطن لا يستطيع دخول المستشفى، ولا ضرائب جديدة تُلقى على كاهل المواطن، ولا عائلات هجّرتها الحرب من أرضها. وفي لبنانهم أيضًا، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي وقصف القرى والمدن وجرف البيوت وتهجير عشرات آلاف العائلات ليست ملفات تستحق أن تأخذ من وقت المجلس النيابي ما يكفي…المواطن، ببساطة، يمكنه أن ينتظر…
أما الأولويات الحقيقية عند هؤلاء النواب، فقد بدت محصورة تقريبًا في مهمتين: الدفاع المستميت عن حكومة الرئيس نواف سلام، والهجوم المستمر على المقاومة.
والحقيقة أن الحكومة، إذا كانت محاطة بهذا الغطاء السعودي والأميركي الذي يتحدث عنه خصومها ومؤيدوها على حد سواء، لا تحتاج إلى كل هذا الاستنفار من نواب يفترض أن مهمتهم الأساسية مراقبتها ومساءلتها. الحكومة ليست بحاجة إلى نواب يتحولون إلى خط دفاع عنها كلما طُرح سؤال أو انتقاد وظيفتهم، قبل أي شيء، أن يسألوا: ماذا فعلت الحكومة للمواطن؟
لكن يبدو أن سؤال الكهرباء أقل أهمية من سؤال المقاومة، وأن سعر صفيحة البنزين أقل إثارة للاهتمام من تبرير موقف سياسي، وأن أكثر من خمسين ألف عائلة هجّرت من أرضها يمكن أن تنتظر، فيما تبقى معركة المواقف والبيانات مفتوحة على مدار الساعة.
حتى في ملف الضرائب، كان المشهد فاقعًا. وزير المالية يقول للمواطن، بابتسامة لا تخطئها العين، إن من سيدفع الضرائب هو المواطن. حسنًا. ومن يسأل هذا المواطن إن كان قادرًا أصلًا على الدفع؟
المشكلة ليست فقط في الضريبة. المشكلة في أن المواطن بات يشعر أن الدولة لا تتذكره إلا عندما تحتاج إلى جيبه.
وفي جلسة كهذه، وسط هذا الكم من الاصطفاف، لا يمكن إلا التوقف عند أصوات رفعت سقف النقاش في الاتجاه الآخر: النائب حليمة قعقور، والنائب إلياس جرادة، والنائب جميل السيد. وكذلك نواب كتلة الوفاء للمقاومة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة جبهة نيابية واسعة اختارت جعل المقاومة عنوانها الأول.
قد نختلف في السياسة، وهذا طبيعي. لكن ما ليس طبيعيًا أن يصبح المواطن آخر بند على جدول أعمال ممثليه.
المواطن الذي يدفع الضرائب، ويدفع فاتورة المولد، ويدفع البنزين، ويدفع أقساط المدرسة، ويدفع ثمن النزوح والحرب والدمار… يستحق، ولو مرة، أن يسأل النواب: وأنتم، من سيدفع ثمن كل هذا؟
لأن الجوع ليس ملفًا مؤجلًا، والتهجير ليس وجهة نظر، والاحتلال ليس تفصيلًا، والمواطن ليس ماكينة دفع ضرائب وإذا كان نواب «أبو عمر» قد اختاروا أن يكونوا حراسًا سياسيين للحكومة وأن يجعلوا معركتهم الأولى مع المقاومة، فمن سيجلس إذًا إلى جانب المواطن عندما يأتي دوره.


