قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم: داني م. الأمين

تحقيق استقصائي في جماعات الضغط ومراكز الأبحاث وشبكات التمويل والإعلام..لم تعد صناعة السياسة في القرن الحادي والعشرين تبدأ عند توقيع رئيس دولة على مرسوم، أو عند تصويت برلمان على قانون، بل قبل ذلك بوقت طويل، داخل مراكز الأبحاث، وجماعات الضغط، وشبكات التمويل، والمؤسسات الإعلامية التي تتولى إنتاج الأفكار قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سياسات.

فالولايات المتحدة، التي تُعد النموذج الأكثر تطورًا في عمل جماعات الضغط، لا تُصنع قراراتها الخارجية داخل البيت الأبيض وحده، بل داخل منظومة واسعة تتقاطع فيها الإدارة الأميركية، والكونغرس، ووزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ومراكز الدراسات، والجهات المانحة، وشركات العلاقات العامة، ووسائل الإعلام، والجماعات الضاغطة التي تسعى بصورة علنية إلى التأثير في صانع القرار.

ولا يُعد هذا الأمر استثنائيًا، بل هو جزء من طبيعة النظام السياسي الأميركي، حيث تعمل مئات جماعات الضغط التي تمثل مصالح اقتصادية، أو دولًا، أو جاليات، أو مؤسسات مدنية، ضمن أطر قانونية معلنة.

في هذا السياق، لم يكن لبنان يومًا خارج دائرة الاهتمام الأميركي. فموقعه الجغرافي، وتعقيداته الداخلية، وارتباطه المباشر بصراعات الشرق الأوسط، جعلت منه ملفًا دائم الحضور داخل دوائر التفكير في واشنطن. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تطورًا لافتًا تمثل في تصاعد نشاط مؤسسات وشخصيات لبنانية – أميركية لم تعد تكتفي بتمثيل الجالية، بل دخلت بصورة مباشرة إلى فضاء التأثير السياسي، عبر جماعات الضغط، ومراكز الأبحاث، والمؤتمرات، واللقاءات مع أعضاء الكونغرس والإدارة الأميركية.

لا يدّعي هذا التحقيق وجود غرفة عمليات تدير جميع هذه الجهات، ولا ينطلق من فرضية مؤامرة شاملة، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا:

كيف تُصنع الأفكار المتعلقة بلبنان داخل واشنطن؟ وكيف تنتقل من مراكز الدراسات إلى دوائر القرار، ثم إلى الإعلام، وأخيرًا إلى النقاش السياسي داخل لبنان؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي تتبع مؤسسة واحدة أو شخصية واحدة، بل لا بد من قراءة شبكة كاملة تتداخل فيها جماعات الضغط، ومراكز الأبحاث، والتمويل، والإعلام، والعلاقات السياسية، باعتبارها حلقات في منظومة واحدة، حتى وإن اختلفت أدوارها أو تباينت مواقعها.

من يمثل اللوبي اللبناني في واشنطن؟

خلال السنوات الأخيرة، برزت مجموعة من المؤسسات اللبنانية – الأميركية التي أخذت على عاتقها لعب دور سياسي أكثر وضوحًا داخل العاصمة الأميركية، وفي مقدمتها ALPI PAC، وهي لجنة عمل سياسي تأسست عام 2020، وتعرّف نفسها بأنها تعمل على تمثيل الأميركيين من أصل لبناني أمام الكونغرس والإدارة الأميركية، وتسعى إلى التأثير في السياسات المتعلقة بلبنان.

ووفقًا لما تعلنه المؤسسة على موقعها الرسمي، فإن أولوياتها تشمل دعم سيادة لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتقوية الجيش اللبناني، إضافة إلى تأييد السلام بين لبنان والعدو الإسرائيل باعتباره جزءًا من رؤيتها للاستقرار الإقليمي.

ويقود المؤسسة فؤاد عربيد، فيما يبرز اسم توفيق بعقليني ضمن الشخصيات اللبنانية – الأميركية الناشطة في البيئة السياسية نفسها.

ولا يقتصر المشهد على ALPI PAC وحدها، إذ تنشط أيضًا مؤسسات مثل Lebanese Information Center (LIC) وAmerican Task Force on Lebanon (ATFL) وAmerican Mideast Coalition for Democracy (AMCD)، إلى جانب شخصيات أكاديمية ودبلوماسيين أميركيين سابقين وباحثين متخصصين في شؤون الشرق الأوسط، يشاركون بصورة مستمرة في مؤتمرات وندوات وأوراق سياسات تتناول مستقبل لبنان.

حتى هذه المرحلة، لا يبدو الأمر خارجًا عن المألوف في النظام الأميركي. فجميع هذه المؤسسات تعمل بصورة علنية، وتعلن برامجها وأهدافها، وتتحرك ضمن القوانين التي تنظم عمل جماعات الضغط. لكن الصورة تبدأ بالتغير عندما تُقرأ هذه المبادرات ضمن سياق واحد، فتظهر تقاطعات واضحة في الأولويات، وفي نوعية الملفات التي تحظى بالاهتمام، وفي طبيعة الشخصيات التي تنتقل باستمرار بين مراكز الدراسات والمؤسسات الرسمية.

وهنا يبرز السؤال الثاني: من يكتب الأفكار التي تتحول لاحقًا إلى سياسات؟

مراكز الأبحاث… حيث تُكتب الأفكار قبل أن تصبح سياسات إذا كانت جماعات الضغط تمثل الواجهة الأكثر وضوحًا في عملية التأثير على القرار الأميركي، فإن مراكز الأبحاث تمثل العقل الذي ينتج الأفكار ويختبرها قبل انتقالها إلى المؤسسات الرسمية. ففي واشنطن، لا يقتصر دور هذه المراكز على إصدار الدراسات الأكاديمية، بل يتجاوز ذلك إلى إعداد أوراق السياسات، وتنظيم المؤتمرات، واستضافة المسؤولين الحاليين والسابقين، وتقديم شهادات أمام لجان الكونغرس، والمشاركة في صياغة النقاش العام حول قضايا السياسة الخارجية.

ولهذا، ينظر كثير من الباحثين إلى مراكز الدراسات بوصفها “المطبخ الفكري” الذي تُطبخ فيه السياسات قبل وصولها إلى دوائر القرار.

ولا يشكل الملف اللبناني استثناءً في هذا السياق. فمنذ سنوات، تتابع مؤسسات أميركية بارزة تطورات لبنان بصورة دورية، وتخصص له برامج بحثية وتقارير وندوات. إلا أن اللافت خلال المرحلة الأخيرة هو انتقال النقاش من متابعة الأزمة الاقتصادية أو دعم المؤسسات الرسمية إلى طرح تصورات أكثر شمولًا تتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية، وبنيتها الأمنية، وخياراتها السياسية، والإقليمية.

ومن بين أبرز هذه المؤسسات معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute – MEI) ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy)، اللذان يشكلان مرجعًا دائمًا للباحثين وصناع القرار المهتمين بشؤون المنطقة.

وبرز اسم معهد الشرق الأوسط بصورة خاصة بعد التقارير التي نشرتها منصة «المرفأ»، والتي تحدثت عن مراسلات ووثائق داخلية قالت إنها اطلعت عليها، وتتعلق بمشروع لإعداد سلسلة من أوراق السياسات الخاصة بلبنان.

وبحسب ما ورد في تلك التقارير، تناول المشروع ملفات تتعلق بالعلاقة اللبنانية – الإسرائيلية، ومستقبل مشروع السلام، وتعزيز دور الجيش اللبناني، ومقاربات لمعالجة ملف سلاح حزب الله، على أن تُرفع هذه الأوراق إلى الإدارة الأميركية، والكونغرس، والقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، وجهات دولية معنية بالملف اللبناني.

وبغض النظر عن الجدل الذي رافق تلك الوثائق، فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضمونها، بل في طبيعة الملفات التي اعتُبرت أولوية داخل بعض دوائر البحث الأميركية، وفي تشابهها مع العناوين التي تكررت خلال السنوات الأخيرة في ندوات ومقالات وأوراق صادرة عن أكثر من مؤسسة بحثية.

كما تلفت هذه التجربة الانتباه إلى إحدى السمات الأساسية للنظام السياسي الأميركي، حيث ينتقل عدد كبير من المسؤولين والدبلوماسيين والخبراء بين الإدارة الأميركية ومراكز الدراسات. فبعد انتهاء الخدمة الرسمية، يواصل كثير منهم نشاطهم كباحثين أو مستشارين، ويشاركون في إنتاج أوراق السياسات، قبل أن يعود بعضهم مجددًا إلى مواقع رسمية مع تغير الإدارات.

ولا يعني هذا التداخل وجود علاقة تبعية بين المؤسسات البحثية والحكومة الأميركية، لكنه يفسر كيف تتراكم الخبرة والعلاقات داخل بيئة واحدة قادرة على التأثير في النقاش السياسي، وإبقاء الأفكار قيد التداول حتى تجد طريقها إلى صناع القرار.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: إذا كانت مراكز الأبحاث تنتج الأفكار، فمن يموّل هذا الإنتاج؟ وهل يقتصر دور التمويل على توفير الموارد المالية، أم يتحول بدوره إلى عنصر داخل شبكة أوسع تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية؟

مشروع أوراق سياسات… من الفكرة إلى التمويل

لم يقتصر الجدل حول نشاط معهد الشرق الأوسط على طبيعة الملفات التي يتناولها، بل امتد أيضًا إلى الطريقة التي يجري من خلالها إعداد بعض مشاريع السياسات وتمويلها.

فقد نشرت منصة «المرفأ» تقريرًا قالت فيه إنها اطلعت على مراسلات إلكترونية ووثائق داخلية تتعلق بمشروع يعمل عليه المعهد، يهدف إلى إعداد سلسلة من أوراق السياسات حول لبنان. وبحسب التقرير، تضمنت الرسائل الموجهة إلى شخصيات ورجال أعمال لبنانيين عرضًا لتمويل مشروع بحثي يتناول اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، ومستقبل مشروع السلام في لبنان والمنطقة، على أن تتحول مخرجاته إلى خطة سياسات تُرفع إلى الإدارة الأميركية، والكونغرس، والقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، إضافة إلى شركاء واشنطن الأوروبيين والخليجيين وصناع القرار اللبنانيين.

وأضاف التقرير أن قائمة الأسماء المرشحة للمشاركة في إعداد هذه الأوراق ضمت الباحثة حنين غدار، والدكتور فادي نقولا نصار، والسفير الأميركي السابق ديفيد هيل، والسفير فريد هوف، والدكتور كينيث بولاك، وماثيو ليفيت، والدكتور علي مراد، والدكتور وليد مروش، وفريد بلحاج، والدكتور ف. غريغوري غاوس.

ووفقًا للتقرير نفسه، كان المشروع يهدف إلى إعداد مقاربات تتناول إطارًا أمنيًا دائمًا مع إسرائيل، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، ووضع مسار لنزع سلاح حزب الله، مع تقدير كلفته بما لا يقل عن 500 ألف دولار، على أن يُنجز خلال فترة تتراوح بين ثمانية واثني عشر أسبوعًا.

وتكتسب هذه المعلومات أهميتها، إذا صحت، لأنها تقدم مثالًا عمليًا على الكيفية التي يمكن أن تنتقل بها المبادرات البحثية من مرحلة إعداد أوراق السياسات إلى محاولة التأثير في دوائر القرار الأميركية، وهو ما يشكل إحدى الفرضيات الأساسية التي يناقشها هذا التحقيق.

التمويل… عندما يلتقي رأس المال بصناعة السياسات

في الولايات المتحدة، يشكل التمويل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها مراكز الأبحاث والمؤسسات غير الربحية. وتلتزم غالبية هذه المؤسسات بنشر أسماء الجهات المانحة وتقاريرها المالية، باعتبار ذلك جزءًا من قواعد الشفافية.

لكن قراءة هذه اللوائح لا تقتصر على معرفة قيمة التبرعات، بل تمتد إلى فهم طبيعة البيئة التي تتحرك داخلها المؤسسة، والجهات التي ترى مصلحة في دعم نشاطها وبرامجها.

وتُظهر القوائم المنشورة لمعهد الشرق الأوسط مساهمات من حكومات، وشركات عالمية، ومؤسسات مالية، وشخصيات من دول مختلفة، بينها أسماء لبنانية معروفة، إلى جانب مساهمات من سفارتي الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، وشركات أميركية كبرى مثل RTX وExxonMobil.

كما يرد اسم رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي ضمن الجهات التي قدمت مساهمات مالية للمعهد، إلى جانب أسماء لبنانية أخرى، في مؤشر على تداخل المال اللبناني مع بعض المؤسسات البحثية الناشطة في واشنطن.

وبحد ذاته، لا يشكل التمويل دليلًا على توافق سياسي بين جميع المانحين، فالمؤسسات الأميركية تعتمد عادة على مصادر تمويل متعددة ومتنوعة. إلا أن أهمية هذه اللوائح تكمن في أنها تكشف كيف تلتقي في مساحة واحدة الحكومات، ورجال الأعمال، والشركات الكبرى، والباحثون، والدبلوماسيون السابقون، ضمن بيئة واحدة تُنتج الأفكار وتشارك في النقاش السياسي.

المال والإعلام… عندما تنتقل الأفكار من مراكز الأبحاث إلى الرأي العام

لا تنتهي رحلة الفكرة عند إعداد ورقة سياسات أو عقد ندوة في واشنطن. ففي السياسة الحديثة، تبدأ المرحلة الأكثر أهمية بعد نشر الفكرة، حين تتحول إلى مادة للنقاش العام، ثم إلى خطاب سياسي وإعلامي يتكرر حتى يصبح جزءًا من المسلمات لدى شريحة من الرأي العام.

ولهذا، لم تعد العلاقة بين مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام علاقة ثانوية أو عابرة، بل أصبحت إحدى أهم حلقات صناعة التأثير. فالإعلام لا يكتفي بنقل ما تنتجه المؤسسات البحثية، بل يعيد صياغته بلغة أكثر تبسيطًا، ويمنحه حضورًا أوسع عبر المقالات، والبرامج الحوارية، والمنصات الرقمية، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا الترابط أهمية خاصة بسبب الانقسام السياسي الحاد، حيث تتحول الأفكار سريعًا إلى جزء من الاشتباك الداخلي، ويتداخل النقاش المحلي مع السرديات الإقليمية والدولية.

ومن هنا، لا يقتصر تأثير جماعات الضغط على التواصل مع الكونغرس أو الإدارة الأميركية، بل يمتد أيضًا إلى البيئة الإعلامية التي تُعاد فيها صياغة النقاش العام، سواء داخل الولايات المتحدة أو في لبنان.

وتبرز هنا مسألة التمويل بوصفها أحد العناصر التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية. فإلى جانب مساهماته المالية المعلنة لبعض المؤسسات البحثية الأميركية، يُطرح اسم رجل الأعمال والمصرفي أنطون الصحناوي في الإعلام اللبناني باعتباره أحد أبرز الممولين لمشاريع إعلامية خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب المعلومات التي يتداولها عدد من الإعلاميين والجهات السياسية في لبنان، وبعد دعوات وُجهت إليه لتجاوز خلافاته السابقة مع حزب القوات اللبنانية وبعض الشخصيات السياسية، اتجه الصحناوي إلى توسيع حضوره في المشهد الإعلامي، عبر دعم مؤسسات إعلامية مرئية ومكتوبة، وتمويل برامج سياسية وبرامج موجهة إلى فئة الشباب، ولا سيما على شاشة MTV وفي صحيفة نداء الوطن، إضافة إلى تمويل مقالات وتحقيقات إعلامية مدفوعة، ودعم نشاط إعلامي على المنصات الرقمية.
كما يتحدث منتقدو هذا المسار عن الاستثمار في بناء شبكة من المؤثرين اللبنانيين، من الولايات المتحدة مرورًا بدول الخليج وصولًا إلى لبنان، بهدف الترويج لخطاب سياسي يعتبر أن مستقبل لبنان يمر عبر حصرية السلاح بيد الدولة، وإعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل، والدفع نحو اتفاق سلام وتطبيع كامل معها، في مقابل تكثيف الخطاب المعارض لحزب الله وبيئته السياسية.

ولا يمكن لهذا التحقيق أن يجزم بصحة جميع هذه الاتهامات أو مدى اتساعها، إلا أن حضورها في النقاش اللبناني، إلى جانب ما هو معلن من شبكات التمويل والمؤسسات البحثية وجماعات الضغط، يجعلها جزءًا من المشهد الذي يستحق المتابعة والدراسة، خصوصًا في ظل التداخل المتزايد بين الإعلام، والمال، والسياسة.
فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بحجم التمويل أو بعدد اللقاءات السياسية، بل أيضًا بالقدرة على تحديد الموضوعات التي تشغل الرأي العام، وصياغة اللغة التي تُناقش من خلالها القضايا الوطنية، وترجيح سردية على أخرى.

الجيش اللبناني… هل أصبح جزءًا من معركة النفوذ؟
إذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تصاعدًا في النقاش حول مستقبل المقاومة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والخيارات الإقليمية للبنان، فإن تطورًا آخر استرعى انتباه المتابعين، تمثل في انتقال جزء من هذا السجال إلى المؤسسة العسكرية نفسها…فالجيش اللبناني، الذي لطالما حظي بدعم أميركي وغربي باعتباره المؤسسة الأمنية الرسمية للدولة، وجد نفسه خلال العامين الأخيرين في قلب سجال سياسي وإعلامي غير مسبوق.

ومن يتتبع التسلسل الزمني للأحداث يلاحظ أن هذا النقاش لم يبدأ من الداخل اللبناني فحسب، بل سبقته ضغوط إسرائيلية، وتصريحات أميركية، وتقارير إعلامية تناولت أداء الجيش في الجنوب، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى وسائل الإعلام اللبنانية والمنصات الرقمية، حيث تصاعدت الحملات التي استهدفت قيادة الجيش وعددًا من ضباطه.

وتزامن ذلك مع مواقف صدرت عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، ومع فرض عقوبات على ضباط في مديرية المخابرات، إضافة إلى موجة من المقالات والبرامج التي تناولت المؤسسة العسكرية بلهجة نقدية غير مألوفة، في مقابل بيانات رسمية صادرة عن قيادة الجيش نفت الاتهامات الموجهة إليها وأكدت التزامها بمهامها الوطنية.
ولا يثبت هذا التسلسل، بحد ذاته، وجود إدارة واحدة لهذه الوقائع، لكنه يثير تساؤلًا مشروعًا حول أسباب تزامنها، وحول ما إذا كانت تعكس أحداثًا منفصلة فرضتها الظروف السياسية والأمنية، أم أنها جاءت ضمن مناخ أوسع أعاد رسم موقع المؤسسة العسكرية في النقاش العام.

ويرى عدد من المراقبين أن هذا التطور لا يمكن فصله عن الخطاب الذي روّجت له بعض مراكز الأبحاث وجماعات الضغط، والذي ركز بصورة متكررة على إعادة تعريف دور المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن تصور جديد لمستقبل الدولة اللبنانية. وبينما يعتبر مؤيدو هذا التوجه أنه يهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة وحصرية السلاح، ترى قوى سياسية أخرى أنه يشكل جزءًا من مقاربة أوسع لإعادة صياغة موازين القوى الداخلية بما ينسجم مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للمنطقة.
وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا بالجيش وحده، بل بالآلية التي تنتقل من خلالها الأفكار من أوراق السياسات إلى الخطاب السياسي والإعلامي، ثم إلى الساحة اللبنانية، حيث تصبح المؤسسات الوطنية نفسها جزءًا من معركة السرديات والنفوذ.

في نهاية هذا التحقيق، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: هل يوجد لوبي لبناني في واشنطن؟ فالإجابة عن هذا السؤال ليست موضع خلاف. فجماعات الضغط جزء أصيل من النظام السياسي الأميركي، وهي تعمل بصورة علنية، وتعلن أهدافها، وتنشر نشاطاتها، وتسعى، كما تفعل مئات الجماعات الأخرى، إلى التأثير في صناعة القرار.

السؤال الحقيقي يكمن في كيفية ممارسة هذا التأثير، وفي المسار الذي تسلكه الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات. فالقرار السياسي لا يولد فجأة داخل المكتب البيضاوي، ولا يبدأ عند صدور بيان رسمي أو إقرار قانون في الكونغرس، بل يمر بمراحل متراكمة تبدأ بورقة سياسات، ثم بندوة، ثم لقاء مع مسؤول، ثم نقاش إعلامي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى جزء من الخطاب السياسي.

وخلال تتبع الوقائع والوثائق والبيانات العلنية، يتضح أن الملف اللبناني بات يحظى بحضور ثابت داخل هذه المنظومة. فجماعات الضغط، ومراكز الأبحاث، وشبكات التمويل، والمنصات الإعلامية، وشخصيات لبنانية – أميركية، جميعها تشارك، بدرجات متفاوتة، في إنتاج نقاش متواصل حول مستقبل لبنان، ودور مؤسساته، وعلاقته بالولايات المتحدة، وموقعه في الإقليم.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الجهات تتحرك بتنسيق مباشر، أو ضمن قيادة واحدة، كما لا يشكل تشابه الأولويات وحده دليلًا على وجود إدارة مركزية. لكن ما تكشفه الوقائع هو وجود تقاطع واضح في الرؤى بين عدد من الفاعلين، وتقاطع مماثل في العناوين التي تتكرر من مؤسسة إلى أخرى، ومن ورقة سياسات إلى مؤتمر، ومن منصة إعلامية إلى خطاب سياسي.

كما أن تتبع العلاقة بين التمويل، والإنتاج البحثي، والإعلام، يوضح أن صناعة النفوذ لم تعد تعتمد على أداة واحدة، بل على منظومة متكاملة تتداخل فيها المعرفة، ورأس المال، والقدرة على الوصول إلى صانع القرار، والتأثير في الرأي العام. وهي آلية لا تخص لبنان وحده، لكنها تكتسب خصوصية إضافية عندما يتعلق الأمر ببلد يعيش انقسامًا داخليًا عميقًا، وتتشابك أزماته المحلية مع صراعات إقليمية ودولية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل السجالات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، سواء حول المقاومة، أو دور الدولة، أو المؤسسة العسكرية، عن البيئة السياسية والإعلامية الأوسع التي تتشكل داخلها هذه النقاشات. فهناك من يرى في هذه التحولات مسارًا طبيعيًا يهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة وإعادة بناء النظام السياسي، فيما يعتبرها آخرون جزءًا من مشروع أشمل لإعادة صياغة موازين القوى اللبنانية بما ينسجم مع أولويات واشنطن وحلفائها. وبين هاتين المقاربتين، تبقى الوقائع المعلنة والوثائق المنشورة والخطابات الرسمية هي الأساس الذي ينبغي أن يستند إليه أي نقاش جدي.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يفرضه هذا الملف هو أن السياسة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم المساعدات أو نتائج الانتخابات، بل أيضًا بمن يملك القدرة على إنتاج الأفكار، وتحديد جدول الأولويات، وصياغة السرديات التي تتحول، مع مرور الوقت، إلى جزء من الوعي العام، ومن ثم إلى سياسات.

فالمعركة، في كثير من الأحيان، تبدأ بالقلم قبل أن تصل إلى البرلمان، وتبدأ بورقة سياسات قبل أن تتحول إلى قرار، وتبدأ بسؤال يُطرح داخل مركز أبحاث قبل أن يصبح عنوانًا للنقاش في بيروت.

ولذلك، فإن فهم ما يجري داخل واشنطن لم يعد ترفًا فكريًا بالنسبة إلى اللبنانيين، بل ضرورة لفهم جانب أساسي من كيفية تشكل النقاش حول بلدهم، ومن يشارك في صياغته، وكيف تنتقل الأفكار عبر شبكات النفوذ والمال والإعلام قبل أن تظهر آثارها في السياسة، وفي الخطاب العام، وربما في مستقبل لبنان نفسه.


مصنف في :