قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:داني م. الأمين
صحفي ومستشار علاقات عامة
ليس من السهل التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه خريطة مستقرة أو مجموعة دول تتحرك كلٌّ منها ضمن حدود سياسية واضحة. فهذه المنطقة، على خلاف كثير من الأقاليم الأخرى، لا تزال تعمل بمنطق التشابك لا الفصل، حيث يمتد أثر الحدث في عاصمة ما إلى عاصمة أخرى، أحيانًا بسرعة، وأحيانًا بعد وقت أطول، لكن من دون انقطاع حقيقي في سلسلة التأثيرات.
لهذا السبب تحديدًا، تبدو محاولات قراءة المشهد عبر ملفات منفصلة – العراق وحده، لبنان وحده، اليمن وحده – محاولات تبسيطية أكثر مما هي تفسيرية. فالتجربة خلال العقدين الماضيين أظهرت أن ما يبدو أزمة محلية في الظاهر، غالبًا ما يكون انعكاسًا لتحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي نفسه، حيث تتداخل السياسة بالأمن، والاقتصاد بالتحالفات، والتاريخ بالجغرافيا بطريقة يصعب تفكيكها إلى وحدات مستقلة.
خلال السنوات الأخيرة، يمكن ملاحظة أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي أعقبت 2003 أو حتى ما بعد 2011. لم يعد الصراع يُدار فقط عبر التدخلات العسكرية المباشرة أو عبر تغيير الأنظمة، بل أصبح أكثر تعقيدًا وهدوءًا في شكله الظاهري، وأكثر عمقًا في نتائجه. نحن أمام مرحلة تُدار فيها التوازنات عبر الضغط الاقتصادي، وإعادة رسم شبكات النفوذ، وإعادة تعريف وظيفة الدولة في أكثر من بلد، إضافة إلى إدارة دقيقة لمستويات التصعيد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في خلفية هذا المشهد، تقف العلاقة الممتدة والمتوترة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لكنها لم تعد علاقة مواجهة عسكرية مباشرة بعد جولتها الثانية، بقدر ما أصبحت إطارًا واسعًا لإدارة النفوذ عبر ساحات متعددة. فبدل أن تكون الحرب في ساحة واحدة، باتت موزعة على جبهات مختلفة، لكل منها وظيفة داخل معادلة أوسع هدفها إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي على مراحل متدرجة.
في العراق، تتجلى هذه التحولات بوضوح شديد. فمنذ 2003، لم يعد البلد مجرد دولة خرجت من نظام سياسي إلى آخر، بل أصبح ساحة توازن دقيقة بين نفوذين كبيرين: أمريكي وإيراني، مع طبقات داخلية معقدة من القوى السياسية والمجموعات المسلحة والمؤسسات الرسمية التي لم تستقر بنيتها النهائية حتى اليوم. هذا التوازن لم يكن ثابتًا في أي مرحلة، بل ظل في حالة إعادة ضبط مستمرة، تتغير فيها مستويات التأثير من لحظة إلى أخرى من دون أن ينجح أي طرف في حسم المشهد بالكامل.
اليوم، يعود النقاش داخل العراق حول شكل الدولة وحدود القوة المسلحة خارج مؤسساتها الرسمية إلى الواجهة من جديد، لكن ضمن سياق إقليمي لا يمكن فصله عنه. فكل محاولة لإعادة تنظيم هذا الملف تُقرأ خارج العراق باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للبيئة الأمنية في المنطقة، لا مجرد إصلاح داخلي. وفي الوقت نفسه، تتحرك بغداد باتجاه توسيع شراكاتها الاقتصادية، خصوصًا مع الولايات المتحدة (بعد ان نجحت واشنطن بفرض رئيس وزراء يميل لها)، عبر مشاريع تتعلق بالطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، في محاولة للخروج من اقتصاد منهك ومجزأ، وإن كان ذلك لا ينفصل عن موقع العراق الجغرافي الحساس الذي يجعله دائمًا نقطة تماس بين مشاريع نفوذ متنافسة.
وفي الجنوب، يظهر اليمن كساحة مختلفة في الشكل، لكنها متصلة في الجوهر. فالحرب التي بدأت كصراع داخلي تحولت تدريجيًا إلى جزء من معادلة أمن إقليمي أوسع، خصوصًا مع تحول البحر الأحمر إلى مساحة شديدة الحساسية في التجارة العالمية وأمن الطاقة. ومع صعود حركة أنصار الله كفاعل عسكري قادر على التأثير خارج حدوده التقليدية، باتت الملاحة الدولية نفسها جزءًا من حسابات الصراع، ما دفع أطرافًا دولية وإقليمية إلى إعادة النظر في مقاربتها للملف اليمني باعتباره لم يعد قضية محلية يمكن احتواؤها بسهولة أو تركها في إطارها الداخلي. ولا يقرأ الوضع الأمني والسياسي المتدهور مجددًا اليوم بين اليمن والسعودية إلا من زاوية التوتر الإقليمي العسكري والسياسي بين طهران من جهة وأميركا وإسرائيل وحلفائهما من جهة ثانية.
في هذا السياق، تبرز تركيا كعنصر إضافي لا يمكن تجاهله داخل شبكة التوازنات الإقليمية. فأنقرة تتحرك على أكثر من جبهة في آن واحد، في شمال سوريا حيث يتداخل الأمن مع الحدود والملف الكردي، وفي شمال العراق حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع النفوذ الإقليمي، وفي شرق المتوسط حيث تدخل قضايا الطاقة والبحار في حسابات استراتيجية طويلة المدى. وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت مؤشرات توتر سياسي حاد غير مباشر بينها وبين إسرائيل، لا يأخذ شكل مواجهة مباشرة، لكنه يعكس اختلافًا متزايدًا في مقاربة عدد من الملفات الإقليمية. هذا التوتر لا يُفهم كحادثة منفصلة، بل كجزء من إعادة توزيع أوسع لأدوار القوى في المنطقة.
أما لبنان، فهو النموذج الأكثر تعقيدًا لتداخل المحلي بالإقليمي. فالدولة هناك لا يمكن قراءتها بمعزل عن التوازنات الخارجية، كما أن أي نقاش داخلي حول مستقبل السلاح أو شكل السلطة أو طبيعة النظام السياسي لا ينفصل عن موقع البلاد في معادلة إقليمية تمتد من طهران إلى واشنطن، مرورًا بتل أبيب. وجود حزب الله كقوة سياسية وعسكرية يجعل لبنان ساحة ذات طابع خاص، حيث لا ينفصل الأمن الداخلي عن منطق الردع الإقليمي. وبين ضغوط دولية متزايدة لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، واعتبارات داخلية ترى في ذلك تغييرًا جذريًا في ميزان القوى الذي استقر بعد عام 2000، يبقى لبنان في حالة توازن هش، يتأثر بسرعة بأي تحول في الإقليم، خصوصًا في الجنوب حيث لا تزال ترتيبات ما بعد المواجهات الأخيرة تثير نقاشًا مفتوحًا حول حدود الردع والاستقرار.
في سوريا، يأخذ المشهد بعدًا أكثر تركيبًا، إذ لا يتعلق الأمر فقط بأزمة سياسية أو إعادة بناء دولة، بل بإعادة تعريف موقعها في الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالدور الذي لعبته سوريا سابقًا كحلقة وصل بين العراق ولبنان، وكجزء من عمق استراتيجي مترابط، تعرض لإعادة تشكيل واسعة خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس على طبيعة الترابط الإقليمي الذي كان قائمًا، وأدى إلى إعادة توزيع مراكز التأثير بطريقة أقل استقرارًا وأكثر تفتتًا.
في قلب هذا المشهد المتشابك، تبقى إيران الطرف الأكثر حضورًا وتأثرًا في الوقت نفسه. فالمواجهة التي خاضتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنتهِ بحسم عسكري، لكنها أعادت تعريف طبيعة الصراع نفسه. لم يعد الأمر يتعلق بجبهة واحدة أو معركة مباشرة، بل بإدارة طويلة الأمد لضغط موزع على أكثر من ساحة في وقت واحد. العراق وسوريا ولبنان واليمن باتت جميعها ضمن هذا الإطار، إلى جانب التحديات الداخلية الإيرانية المرتبطة بالاقتصاد، والعقوبات، والضغوط الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا المسار يتجه نحو نتيجة حاسمة في المدى القريب، لأن كل طرف لا يزال يمتلك أدواته الخاصة لإعادة التموضع وإطالة أمد التوازن القائم، وإن بحدود مختلفة عن السابق.
ربما يكون الخطأ الأساسي في قراءة ما يجري اليوم هو الاعتقاد بأن الحرب انتهت. ما انتهى فعليًا هو شكلها العسكري المباشر حتى هذه اللحظة، أما جوهر الصراع، فقد انتقل إلى مستوى آخر أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا. فإيران، بوصفها دولة إقليمية ذات امتدادات متعددة، لا تبدو في وارد التخلي عن شبكة نفوذها أو قبول تقليصها بشكل جذري، في حين لا تخفي الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما قوى إقليمية أخرى، سعيها لإعادة ضبط هذا النفوذ أو تقليصه عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية متدرجة، مع بقاء الهدف الاستراتيجي مرتبطًا بإعادة تشكيل موقع إيران في النظام الإقليمي.
بين هذين المسارين، يبدو الشرق الأوسط وكأنه دخل مرحلة مفتوحة. لا منتصر نهائيًا أعلن انتصاره، ولا طرف مهزوم سلّم بهزيمته، فيما تبقى الساحات الممتدة من بغداد إلى بيروت، مرورًا بدمشق وصنعاء مسرحًا لصراع طويل لم يُغلق بعد. وفي مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن نهايات واضحة أمرًا سابقًا لأوانه، لأن هذه المنطقة، كما أثبتت تاريخيًا، لا تنهي صراعاتها بقدر ما تعيد إنتاجها بأشكال مختلفة، تترك الباب مفتوحًا دائمًا على مرحلة جديدة لم تُكتب بعد…


