قلمي 🖊️ بندقيتي

بقلم:داني م. الأمين

من السهل أن تطلب السلطة من الناس أن يثقوا بالدولة. والأصعب أن تمنحهم سببًا واحدًا لهذه الثقة.

هذا هو السؤال الذي يطارد عهد الرئيس جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام. ليس سؤال السلاح، ولا سؤال القرارات الدولية، ولا حتى سؤال المفاوضات. السؤال أبسط من ذلك بكثير؛ ماذا فعلت الدولة عندما كان جزء من شعبها يُقتل ويُهجَّر، وتُدمَّر مدنه وقراه؟
خمسة عشر شهرًا، والجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية يعيشون تحت وقع الاغتيالات والغارات والدمار. خمسة عشر شهرًا لم يكن الجنوبيون ينتظرون خلالها معجزات، بل كانوا ينتظرون أن يشعروا بأن لهم دولة تقف خلفهم، لا دولة تراقب المشهد من خلف البيانات.

ثم جاءت الحرب الواسعة، فازداد المشهد قسوة. كان المنتظر أن يكون الخطاب الرسمي موجَّهًا إلى العدو الإسرائيلي الذي كان يقصف لبنان ويقتل أبناءه، فإذا بالنقاش الداخلي ينزلق فورًا ومن الساعة الأولى إلى مكان آخر. تحوّل الاهتمام، في نظر كثيرين، إلى المقاومة أكثر مما تحوّل إلى الاحتلال. أصبح الحديث عن السلاح أعلى صوتًا من الحديث عن العدوان، وعن تطبيق القانون أكثر حضورًا من الحديث عن حماية الأرض. بل وصل الأمر مع سلطتكم إلى اتهام المقاومة ووصفها بأنها «خارجة عن القانون». وهذا، في رأيي، مشهد غير مسبوق في التعامل مع من يقاتل عدوًا يحتل أرضًا لبنانية.

أي رسالة وصلت إلى الجنوبيين؟ أن الخطر الحقيقي ليس الطائرات التي تدمر القرى، بل من يقاتلها؟
قد يختلف البعض حول المقاومة، لكنهم لا يختلفون على أن الاحتلال هو أصل المشكلة، إلا في هذا البلد، حيث ينتظر البعض منه تدمير الجنوب، بل وترحيل أهله، وإخراج بيئة المقاومة من لبنان، ظنًا منهم أن إسرائيل ستدعهم يعيشون بسلام وطمأنينة. وعندما يختل ترتيب الأولويات في خطاب السلطة، يختل معه شعور الناس بأن لديهم دولة تقرأ الوقائع كما يعيشونها.
ثم جاء الاتفاق… اتفاق العار، الذي فاجأ، بل صدم، القريب قبل البعيد. الاتفاق الذي لم يصدق كثيرون أن تقبل دولة بالتوقيع عليه. اتفاق أحادي الجانب فُرض على السلطة، وادعيتم أنه انتصار للدولة، بينما هو، في الحقيقة، محطة كرّست اختلال موازين القوة أكثر مما أعادت الاعتبار للسيادة. اتفاق علني هو، هزيمة واستسلام وخضوع، تنازلت الدولة بموجبه عن جزء من سيادتها عندما شرّعت احتلال جزء من ارض الجنوب، كما أعطت العدو حرّية الحركة العسكرية على اراضيها،اضافة الى اخطر ما في الموضوع وهو الملحق الامني السري الذي طلبتم عدم نشره اعلاميًا، فما كان من الذي وقعتم به الا ان نشره وفضح نقاطه..

فيما استمر الجدل حول ما ترتب عليه من نتائج. لم تتوقف الأسئلة، ولم تتوقف الخروقات، ولم يتوقف الجدل. لكن السلطة تصرفت وكأن مجرد الاعتراض على الاتفاق هو اعتراض على الدولة نفسها، مع أن الدولة لا تُختزل باتفاق، ولا تُقاس بقدرتها على توقيع الأوراق، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وفرض احترام سيادتها.

في عهدكم، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. ففي الداخل، تمدد خطاب الكراهية تجاه بيئة المقاومة، ولنكن أكثر صراحة، تجاه طائفة كبيرة ومؤسسة للبنان. شُتمت مقدساتهم، وأُهينت رموزهم، وطاولت حملات الإساءة كل ما يخص هذه الطائفة. وكان المنتظر من الدولة أن تكون الحكم بين اللبنانيين، فإذا بها بدت صامتة، وهو صمت اعتبره كثيرون سببًا إضافيًا في تعميق الاحتقان.

ليس المطلوب من السلطة أن تتبنى رواية فريق سياسي، ولا أن تعادي فريقًا آخر. المطلوب منها أن تكون دولة. والدولة لا تكون انتقائية في وجع مواطنيها، ولا في كرامتهم، ولا في حقهم في أن يشعروا بأنهم متساوون أمامها.

فخامة الرئيس، دولة الرئيس…

التاريخ لا يدوّن عدد الاجتماعات التي عقدتموها، ولا البيانات التي أصدرتموها، ولا الكلمات التي ألقيتموها. التاريخ أكثر قسوة من ذلك. إنه يطرح سؤالًا واحدًا فقط:

عندما كان الجنوب يحترق… أين كانت الدولة؟ وماذا فعلت؟

اهل الجنوب يجزمون أن السلطة، منذ اليوم الأول، اتخذت قرارات قيّدت حركة المقاومة لصالح العدو، وأنها لم تكن في مستوى المسؤولية الوطنية التي فرضتها الحرب. لا بل يشعرون انكم تآمرتم عليه…

وإذا بقي هذا السؤال بلا جواب مقنع، فلن تكون المشكلة في ذاكرة أهل الجنوب، بل في ذاكرة عهدٍ سيصعب عليه أن يقنعهم بأنه أوفى بما وعد به.

فخامة الرئيس، دولة الرئيس…

حتى الآن، لم ينجح عهدكما في ترجمة أيٍّ من الوعود التي حملها خطاب القسم أو البيان الوزاري سوى انقسام حاد بين مكونات هذا. وما يراه اللبنانيون على الأرض لا يشبه ما سمعوه يوم وُلد هذا العهد.
لا تزال أمامكما فرصة أخيرة: أن تنحازا إلى حاجات أهل الجنوب واللبنانيين جميعًا، وأن تعيدا الاعتبار لدولة يشعر مواطنوها بأنها تحميهم ولا تكتفي بمخاطبتهم. وإن لم تكونا قادرين على ذلك، فالاستقالة تبقى أكثر شجاعة من التمسك بالسلطة فيما تتآكل الثقة بها يومًا بعد يوم.


مصنف في :