قلمي 🖊️ بندقيتي

‏كتاب Rabbinism and Politics in Religious Zionism أو الحاخامية والسياسية في الصهيونية الدينية” للباحث أهارون كامبنسكي Aharon Kampinsky

هو من الكتب المهمة التي صدرت في السنتين الأخيرتين وتبحث في تشكّل دور الحاخامات داخل التيار الديني‑الصهيوني في الكيان وكيف انتقل الحاخام من موقع المرجع الشرعي المعزول عن السياسة إلى فاعل يتحرّك في قلب المؤسسة الحزبية والبرلمانية و ينطلق المؤلف من السنوات الأولى لقيام الكيان حيث وجد حاخامات الصهيونية الدينية أنفسهم أمام دولة قومية علمانية نسبياً، لكنها يهودية الهوية، تطلب منهم شرعية دينية لقراراتها وحروبها وحدودها وقوانينها..

وفي هذا السياق، يطرح الكتاب أسئلة مركزية: هل وظيفة الحاخام أن يبقى «صوت الشريعة» من خارج اللعبة السياسية، أم أن عليه أن ينخرط في الحزب والكنيست ويصبح جزءاً من صناعة القرار؟

كيف يتعامل الحاخام مع لحظة التعارض بين الفتوى والمصلحة الحزبية أو الحسابات الانتخابية؟ وكيف تغيّرت العلاقة بين الحاخامات والساسة داخل التيار الديني‑الصهيوني بين فترات التوافق والصدام؟

كما يبرز الكتاب أن الحاخامات لم يتحركوا ككتلة واحدة، بل ظهرت بينهم مدارس واتجاهات متباينة: حاخامات رأوا في الدولة الصهيونية بداية تحقق وعود دينية وتاريخية، فدفعوا باتجاه اندماج عميق بين المرجعية الحاخامية وأجهزة الدولة والحزب، وحاخامات آخرون تعاملوا بحذر مع الدولة الحديثة وفضّلوا الحفاظ على مسافة تحفظ استقلالهم الفقهي وهيبتهم الروحية و من خلال تتبع نماذج مختلفة، يرسم المؤلف صوراً متعدّدة لـ«الحاخام السياسي»:

حاخام‑قائد حزبي يوجّه الخط السياسي باسم الشريعة حاخام‑زعيم جماهيري يقف فوق الأحزاب ويمارس تأثيره من خارج البنية الحزبية الرسمية، وحاخام يُستدعى بالأساس لإضفاء الشرعية على قرارات صاغها السياسيون سلفاً هذه النماذج تعكس توتراً دائماً بين منطق النص الديني ومنطق الدولة الحديثة القائمة على التفاوض والائتلافات والتنازلاتكما يتوقف الكتاب عند حالات وأزمات سياسية محددة ليبيّن كيف تُختبر مكانة الحاخام عند لحظات القرار الكبرى: من مثل قضايا الحرب و”السلام” ورسم الحدود، الموقف من التسويات الإقليمية، والسياسات الاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه وفي كل محطة من هذه المحطات يظهر سؤال: من صاحب الكلمة الأخيرة داخل التيار الديني‑الصهيوني الحاخام أم السياسي؟

ومع تبدّل موازين القوى الاجتماعية داخل إسرائيل وتطوّر الأحزاب الدينية، تتأرجح الإجابة بين تعزيز سلطة الحاخام حيناً وتهميشها حيناً آخر، بحيث يصبح دوره أحياناً رمزياً أكثر منه مقرِّراً فعلياً ومع ذلك، يشير الكتاب إلى أن المرجعية الحاخامية تظل حاضرة بقوة في تشكيل الهوية الأيديولوجية للصهيونية الدينية حتى عندما يتقدّم المهنيون السياسيون في إدارة التفاصيل العملية للسلطة
أهمية هذا العمل تتجاوز الإطار الإسرائيلي الداخلي، لأنه يقدّم نموذجاً مفصلاً لكيفية اشتغال الفقه الديني السياسي في إطار “دولة” قومية حديثة، وكيف تتحوّل المفاهيم اللاهوتية مثل «الشعب»، «الأرض»، و«الوعود الإلهية» إلى موارد تُستخدم وتُستثمر في الصراع السياسي اليومي ومن زاوية مقارنة، يفتح الكتاب باباً مثيراً للتفكير في تشابه المعضلات التي يواجهها الحاخام اليهودي و أين تقف حدود تدخّل رجل الدين في سياسة الدولة؟

كيف يفاوض بين نصوصه المقدسة ومقتضيات الدولة الحديثة؟ وأي ثمن يدفعه الدين، وأي مكاسب أو خسائر تسجّلها السياسة عندما تتداخل السلطتان في شخص «العالم‑السياسي»؟

هذه الأسئلة تجعل من الكتاب ليس فقط كدراسة عن الصهيونية الدينية، بل كمرآة لعلاقة الدين بالسياسة في الشرق الأوسط كله.