قلمي 🖊️ بندقيتي
لم يعد الإعلام الحربي في الحروب الحديثة مجرّد وسيلة لنقل الأخبار أو توثيق الاشتباكات، بل أصبح جزءًا أساسيًا من المعركة نفسها. فالحروب اليوم لا تُحسم فقط بالنار والعتاد، بل أيضًا بالصورة والرواية وتأثيرهما في وعي الناس ومن هنا برز الإعلام الحربي للمقاومة في جنوب لبنان كنموذج استطاع أن يفرض حضوره، ليس فقط بسبب سرعة نقل الحدث، بل لأن ما يُعرض غالبًا يكون موثقًا بالصوت والصورة ومن قلب الميدان.
خلال المواجهات الأخيرة، ظهر تطور واضح في طبيعة المواد التي بثّها الإعلام الحربي، سواء من حيث التقنيات أو طريقة تقديم المشهد وقد برز استخدام الطائرات الانقضاضية والطائرات الليلية المزوّدة بكاميرات دقيقة تنقل مسار العملية منذ لحظة الانطلاق وحتى إصابة الهدف، في مشاهد حملت بعدًا توثيقيًا ورسائل نفسية ومعنوية في الوقت نفسه. فالمشاهد لم تكن مجرد لقطات سريعة لنتائج الاستهداف، بل عرضًا كاملًا لمسار العملية، بما فيه حركة الطائرة وطبيعة الهدف واللحظات الأخيرة قبل الإصابة.
هذا النوع من التوثيق لعب دورًا مهمًا في مواجهة رواية العدو، خصوصًا أن مؤسسته العسكرية اعتادت التقليل من حجم خسائرها أو التعامل معها بقدر كبير من التعتيم. لكن عندما تُعرض الوقائع بالصورة المباشرة، يصبح الإنكار أكثر صعوبة، ويتحول المشهد نفسه إلى وثيقة ميدانية يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها وربما للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع الإحتلال، أصبحت الصورة الميدانية قادرة على منافسة الرواية العسكرية الإسرائيلية وكسر جزء كبير من احتكارها الإعلامي.
ولم يأتِ هذا التطور من فراغ، فالإعلام الحربي لدى المقاومة راكم خبرة طويلة منذ سنوات الاحتلال، مرورًا بمحطات المواجهة المختلفة وصولًا إلى الحرب الأخيرة. ومع الوقت، تطور العمل من مجرد إصدار بيانات مصورة، إلى منظومة إعلامية ميدانية تمتلك خبرة تقنية وأمنية وقدرة عالية على إنتاج محتوى يصل بسرعة ويترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور، وفي كثير من الأحيان، كانت مقاطع الإعلام الحربي تنتشر على نطاق واسع خلال دقائق، فيما كانت وسائل إعلام العدو لا تزال تبحث عن رواية مناسبة لما جرى.
أهمية الإعلام الحربي لا تكمن فقط في نقل الحدث، بل أيضًا في كسر احتكار الرواية. فالإعلام الغربي والإسرائيلي حاول لسنوات تقديم صورة عن جيش لا يُهزم، مع تعتيم دائم على المعلومات الميدانية. لكن مع انتشار المشاهد الموثقة تغيّر جزء من صورة الحرب وبات الجمهور يرى تفاصيل لم تكن تُعرض سابقًا إلا عبر الرواية الرسمية للعدو.
أما على المستوى النفسي، فقد لعب الإعلام الحربي دورًا أساسيًا في رفع المعنويات داخل البيئة الحاضنة للمقاومة، وفي الوقت نفسه شكّل عامل ضغط وإرباك لدى الطرف الآخر. فمشاهد المقاتلين وهم يديرون المواجهة بثبات ويواصلون العمل رغم القصف والاستهداف، تركت أثرًا مباشرًا لدى الناس ورسّخت صورة أن ما يجري ليس مجرد رد فعل عابر، بل مواجهة تُدار بتنظيم وقدرة عالية على الصمود.
العدو كان يخسر في الميدان، ثم يخسر مرة ثانية عندما تُنشر الصورة. وفي المقابل، يدرك أن أي تحرك أو خسارة قد تتحول خلال دقائق إلى مادة مصورة تنتشر على نطاق واسع، وهذا بحد ذاته أصبح جزءًا من الضغط النفسي المرافق للمعركة. فالحرب اليوم لا تُخاض فقط في الميدان، بل أيضًا أمام الكاميرا وعلى شاشات الهواتف والمنصات الرقمية.
ومن العناصر التي أعطت الإعلام الحربي خصوصيته، أنه لم يركّز فقط على مشاهد الاستهداف والعمليات العسكرية، بل حاول أيضًا إظهار الإنسان المقاوم وعلاقته بأرضه وبيئته، وتقديم صورة مختلفة عن تلك التي تسعى بعض وسائل الإعلام إلى تكريسها. لذلك وصلت هذه المواد إلى جمهور واسع عربيًا، لأنها حملت بعدًا إنسانيًا إلى جانب البعد العسكري.
ولا يمكن الحديث عن الإعلام الحربي من دون التوقف عند التضحيات التي قدّمها العاملون فيه. فالمراسل أو المصور الحربي لا يعمل من خلف المكاتب، بل يتحرك في مناطق خطرة وتحت القصف المباشر. ويبرز هنا اسم عميد المراسلين الحربيين الشهيد علي شعيب، الذي واكب المقاومة منذ سنواتها الأولى وبقي حاضرًا في الميدان حتى لحظة استشهاده، ليكرّس صورة الإعلامي الذي يدفع حياته ثمنًا لنقل الحقيقة من قلب المواجهة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بات العدو يتعامل مع كاميرا الإعلام الحربي كتهديد فعلي لا يقل خطورة عن بعض الأسلحة الميدانية.
في النهاية أثبتت تجربة الإعلام الحربي للمقاومة أن الصورة قد تتحول أحيانًا إلى سلاح كامل في مواجهة الدعاية والتضليل. وفي زمن أصبحت فيه الحروب تُخاض على الشاشات بقدر ما تُخاض على الأرض، بات واضحًا أن مشهدًا واحدًا موثقًا قد يوازي في تأثيره جبهة كاملة، لأنه لا ينقل الحدث فقط، بل يساهم في تثبيت الرواية وحفظ الذاكرة وكشف حقيقة ما يجري أمام الناس.


