قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:حسن يوسف
في لحظات التحوّل الكبرى لا تكون القرارات الدبلوماسية مجرّد خيارات إجرائية بل مفاصل تاريخية تعيد رسم موازين القوى وتحدّد اتجاهات الصراع وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل اللقاء مع نتن ياهو اليوم خطوة سياسية محسوبة، أم خطأ استراتيجي يمنحه ما عجز عن تحقيقه في الحرب؟
بدايةً، لا بد من استحضار حقيقة قانونية وسياسية، فنتن ياهو مصنّف مجرم حرب ومطلوب أمام محكمة الجنايات الدولية
هذه الصفة لم تكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تحوّلت إلى عبء دولي دفع عددًا من قادة العالم، إلى تجنّب الاجتماع به رغم علاقاتهم الوثيقة بالكيان.
وعليه، فإن أي لقاء عربي معه في هذا التوقيت لا يُقرأ في سياقه الدبلوماسي المجرد، بل يسهم مباشرة في إعادة تأهيل نتن ياهو سياسيًا، ومنحه مخرجًا من عزلته، بينما تستمر جرائمه على الأرض بلا توقف.
الأخطر من ذلك أن سلوك نتنياهو السياسي لا يوحي إطلاقًا بأنه يدخل أي مسار تفاوضي بروح تسوية، بل بعقلية المنتصر المنتشي، الذي لا توقفه قوة، ولا تحده قدرة!وقد عكس تأخّره في الرد على المبادرات المطروحة حجم الاستخفاف، بما يؤكد أن هذا المسار بالنسبة له ليس منصة تنازلات، بل أداة استثمار سياسي.والهدنة من منظور نتن ياهو، ليست حاجة إسرائيلية لوقف الاستنزاف، بل مطلب لبناني يجب أن يُدفع ثمنه.
هذه المعادلة المختلّة تنقل موقع التفاوض من ساحة تبادل المصالح إلى ساحة فرض الشروط، حيث يصبح الطرف اللبناني مطالبًا بتقديم تنازلات مقابل ما يُفترض أنه حق بديهي، وقف العدوان.
أما الحديث عن الانسحاب إلى الحدود، فلا ينبغي التعامل معه كالتزام قانوني بقدر ما هو جزء من صفقة سياسية أشمل. ..هذه الصفقة لا تقف عند حدود التطبيع، بل تتجاوزها إلى إعادة صياغة موقع لبنان في المعادلة الإقليمية، ضمن مشروع يستهدف بنية المقاومة، وهو مسار، إن تمّ الانزلاق إليه، يفتح الباب أمام توترات داخلية خطيرة، ويحوّل لبنان من ساحة صراع مع عدو خارجي إلى ساحة نفوذ للعدو تحت مسمى دعم الشرعية!من هنا، تبدو كلفة القبول بهذه الشروط استراتيجية وباهظة، تمسّ جوهر السيادة وتوازنات الداخل. لكن في المقابل، فإن رفضها دون امتلاك رؤية بديلة قد يقود إلى لقاء شكلي بلا نتائج حقيقية، يخرج منه نتن ياهو رابحًا على مستوى الصورة، بعد أن يقدّم نفسه مجددًا كشريك سياسي مقبول، ويستثمر الحدث في إطار ترميم شرعيته الدولية وفي هذه الحالة، يخسر لبنان آخر أوراقه التفاوضية، بينما يُسوَّق المشهد كإنجاز يُضاف إلى مسار “الاتفاقات الإبراهيمية”، في وقت تستمر فيه قرى الجنوب تحت القصف والتدمير والاحتلال خلاصة القول أن اللقاء مع نتنياهو وحتى إن جاء بعد وقف إطلاق النار ليس مجديا، لأنه سيعاود العدوان فور اقتضاء المصلحة، خصوصا في إطار مشروعه المعلن “إسرائيل الكبرى”!


