قلمي 🖊️ بندقيتي

لم يعد ممكنًا تلطيف اللغة لوصف ما يجري داخليًا. الانقسام في لبنان لم يعد اختلافًا سياسيًا، بل تشظٍ عمودي يضرب الهوية الوطنية نفسها، ويتحوّل يومًا بعد يوم إلى نمط عيش في كل تفصيل، من الخطاب العام إلى النقاشات اليومية، تتقدّم العصبيات المذهبية على ما عداها، وكأن البلد يُعاد تعريفه كفسيفساء متقابلة لا ككيان واحد.هذا المسار لا ينمو وحده؛ له من يرعاه بالصمت، ومن يغذّيه بالفعل أو بالتقاعس على وسائل التواصل الاجتماعي، الصورة فاقعة؛ منصّات تحوّلت إلى ساحات تحريض مفتوحة، يُكسر فيها أي رادع أخلاقي أو قانوني خطاب كراهية صريح، نزع للشرعية عن الآخر، وشيطنة جماعية تتكرّس كأمر عادي الأخطر أن هذا الانفلات يجري بلا أي إدارة حقيقية من الدولة، وكأن السلم الأهلي تفصيل قابل للتأجيل.هنا يصبح السؤال أكثر حدّة ماذا تفعل وزارة الإعلام ووزيرها تحديدًا؟ الوزارة التي يُفترض أن تقود السياسة الإعلامية للدولة، تبدو غائبة عن أخطر معركة؛ معركة ضبط الخطاب العام لا استراتيجية واضحة، لا مبادرات جدية، ولا حتى حضور يوازي حجم الانفجار الكلامي الدائر.!! الاكتفاء ببيانات خجولة أو مواقف عابرة لا يرقى إلى مستوى المسؤولية المطلوب ليس رقابة عمياء، بل إدارة ذكية للمشهد الإعلامي، وضع معايير، إطلاق حملات توعية، والتنسيق الفعلي مع المنصّات للحد من خطاب التحريض. ما يحصل اليوم يوحي بأن الوزارة إمّا عاجزة أو غير معنية، وفي الحالتين النتيجة واحدة، فراغ تُملؤه الفتنة.أما المجلس الأعلى للإعلام، فبدل أن يكون مرجعية ناظمة، يبدو كهيكل بلا أسنان صلاحياته إمّا معطّلة أو لا تُستخدم، وحضوره يكاد يقتصر على ردود فعل متأخرة في بلد تتفلت فيه الشاشات والمنصّات من أي ضابط، يصبح غياب هذا المجلس الفعّال خللًا بنيويًا لا تفصيلًا إداريًا. المشكلة ليست في النصوص فقط، بل في الإرادة بتطبيقها. وعندما تغيب الإرادة، تتحوّل المؤسسات إلى واجهات شكلية لا أكثر.القضاء بدوره يقف في منطقة رمادية. القوانين التي تجرّم إثارة النعرات الطائفية موجودة، لكن تفعيلها انتقائي وخجول. هذا التردد يرسل رسالة واضحة، يمكن قول كل شيء تقريبًا بلا محاسبة. ومع كل يوم يمرّ من دون قرارات رادعة، يتوسع هامش التحريض ويترسّخ كواقع.ولا يمكن إعفاء الأحزاب السياسية من المسؤولية المباشرة. فهذه القوى، التي تمتلك قدرة تنظيمية وتأثيرًا واسعًا على جمهورها، لم تُظهر إرادة جدية لضبط قواعدها أو ردع مناصريها عن الانخراط في حملات الكراهية والتحريض. بل إن بعض الخطابات الحزبية، الصريحة أو المبطّنة، يوفّر غطاءً لهذا السلوك ويمنحه شرعية ضمنية. حين تغيب الرسائل الواضحة والحقيقية من القيادات بضرورة التهدئة واحترام السلم الأهلي، يصبح الفضاء الرقمي امتدادًا للفوضى السياسية، وتتحوّل الجماهير إلى أدوات ضغط تُدار بلا ضوابط.القوى الأمنية تدرك المخاطر، لكنها تتحرك ضمن سقوف ضيقة التقييد هنا ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي. حين تُكبَّل الأجهزة بحسابات القوى، يصبح أي تحرك محسوبًا بميزان الطوائف، فتُفضَّل السلامة على الحزم، ويُترك المجال مفتوحًا لمزيد من الانفلات.في قلب كل ذلك، تقف السلطة التنفيذية كأنها قررت التفرّج. صمتها ليس حيادًا؛ هو مساهمة مباشرة في تكريس الانقسام. وحين يترافق هذا الصمت مع ارتهان سياسي واضح للخارج، تتعقّد الصورة أكثر. أي نفوذ خارجي، أميركيًا كان أو غيره، يجد أرضًا خصبة حين تكون السلطة ضعيفة أو مترددة. المشكلة ليست في وجود ضغوط دولية بحد ذاته، بل في قابلية الداخل لالتقاطها وتوظيفها بما يعمّق الشرخ بدل أن يخفّفه. وهنا تحديدًا تبدو السلطة وكأنها سلّمت بإدارة الأزمة بدل حلّها وسمحت -بقصد أو بغير قصد- بتغذية الانقسام عبر تركه يتمدّد بلا كوابح.النتيجة أن الدولة بمؤسساتها، لا تقود المشهد، بل تُساق إليه الفضاء العام يُترك لخطاب متفلّت، والمرجعيات التي يفترض أن تضبطه غائبة أو صامتة هذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مسار خطير يهدد ما تبقى من قواسم مشتركة بين اللبنانيين.لبنان لا يحتاج إلى توصيفات إضافية، بل إلى قرار واضح، استعادة دور الدولة كحَكَم لا كمتفرّج، وتفعيل أدواتها بلا انتقائية، ووضع حد لانفلات الخطاب قبل أن يتحوّل إلى وقائع على الأرض دون ذلك سيبقى الانقسام يتغذّى من صمت رسمي مريب، حتى يصبح الخروج منه أكثر كلفة بكثير.


مصنف في :