قلمي 🖊️ بندقيتي
بقلم:عبد الحليم قنديل
قد لا يكون التاريخ يعيد نفسه دائما ، فقطرة الماء ذاتها لا تجرى فى النهر الواحد لمرتين ، لكن حوادث التاريخ قد تتشابه أحيانا ، وربما تتطابق فى مغزاها وعظاتها ، فللتاريخ مكره الخاص ، ويحدث كثيرا فى التاريخ ومجراه الذى لا ينتهى ، أن يذهب فرد ما أو جماعة أو دولة في طريق ، وتدفعه شهرة القوة للذهاب إلى بناء ما يتصوره قصرا لمجده ، ثم يكتشف بعد فوات الأوان ، أنه ذهب سهوا ليحفر قبرا جديدا لنفسه شىء من ذلك حدث ويحدث في لبنان اليوم ، ويكاد يذكر حرفيا بما جرى قبل أكثر من أربعين سنة ، مع اجتياح جيش الاحتلال “الإسرائيلي” لأراضي لبنان ، ووصول حملة الجنرال “آرييل شارون” إلى احتلال العاصمة بيروت ، وتحت شعار إجلاء جماعات منظمة التحرير الفلسطينية ، التي خرجت بالفعل إلى أقطار عربية أخرى ، لكن القصة لم تنته فصولها عند هذا الحد ، وبدا الجسد اللبناني المتعب المرهق بحرب أهلية طويلة ، وكأنه ينتفض طالبا لثأر جديد ، فقد كان “بشير الجميل” قائد ما يسمى “القوات اللبنانية” يظن وقتها ، أن دبابات “شارون” كفيلة بحراسة رئاسة الجمهورية اللبنانية ، وجرى عقد اتفاق 17 مايو “آيار” 1983 مع كيان الاحتلال “الإسرائيلي” ، لكنه سرعان ما جرى اغتياله ، وتولى المنصب شقيقه الأكبر “أمين الجميل”، بعد اضطرار قوات الاحتلال للخروج من العاصمة اللبنانية ، وانسحاب قوات الاحتلال إلى الجنوب ، ثم ظهور جماعة “حزب الله” بدعم إيراني ظاهر ، وبدء رحلة “حرب عصابات” طويلة في الشريط الجنوبي ، استمرت لنحو عشرين سنة ، وإلى أن خرجت قوات الاحتلال في 25 مايو “آيار” 2000 من الجنوب ذليلة مدحورة ، ومعها العملاء من “جيش لبنان الجنوبي”، ودونما توقيع اتفاق سلام ولا صك تطبيع وفي مشهد التاريخ الجاري هذه الأيام ، يبدو تشابه الحوادث ظاهرا ، سلطة تجرى مفاوضات مباشرة فى واشنطن ، هدفها المعلن توقيع اتفاق سلام جديد مع “إسرائيل” ، ومع إعلان “إسرائيلى” أمريكى جهير ، أن الهدف هو دفع الحكم اللبنانى لخوض حرب نزع سلاح “حزب الله” بالمشاركة مع كيان الاحتلال ، فيما يكرر الأخير سيطرته على شريط متسع من الجنوب اللبنانى، ويتبنى سياسة الأرض المحروقة ، وحجز 55 قرية لبنانية وراء ما يسميه “الخط الأصفر” أو “خط الدفاع الأول ” ، ويكرر الجرائم ذاتها على نحو أعنف ، يقتل ويجلى السكان ويفجر المنازل بالجملة ، ويمنع عودة النازحين ، ويعجز لأسابيع عن احتلال كامل بلدة “بنت جبيل” ، ويسعى للانتقام بتدمير منطقة ملعبها ، الذى أعلن منه الأمين العام التاريخى الراحل السيد “حسن نصر الله” نصر لبنان العزيز بتحرير الجنوب ، وأطلق وقتها عبارته الشهيرة عن “إسرائيل” الأوهى من بيت العنكبوت .
كان التعبير نافذا على حماسته المفرطة ، فقد كان الوقت تغير ، ونشأت مدرسة جديدة فى المقاومة ، تعززت فيما بعد وأثبتت فعاليتها فى ميادين النار ، وفى الحروب غير المتناظرة ، التى يملك فيها العدو ما لا تملكه جماعات المقاومة ، وفى المنازلة التاريخية متعاقبة المراحل ، كان الافتتاح صاخبا بالمنازلة بين أعلى قيمة إنسانية وأعلى قيمة تكنولوجية مضافة يكاد العدو يحتكرها ، وأثبت سلاح الاستشهاد كأعلى قيمة إنسانية ، أن الكفة راجحة فى صفه ، وكلنا يذكر ما جرى فى أواخر شهور 1983 ، وتتابع تدمير مقر الحاكم العسكرى الإسرائيلى فى “صور” بسيارة مفخخة يقودها استشهادى ، ثم زحف الظاهرة الاستشهادية ذاتها إلى بيروت ، وسقوط مئات الجنود القتلى من “المارينز” الأمريكى ، وتكرار الحدث ذاته فى مقر مشاة البحرية الفرنسية ، كان حس الاستشهاد ينتصر فى معارك متفرقة مع أعلى ما يملكه العدو ورعاته من تكنولوجيا ، وفى مراحل لاحقة ، راحت قيمة الاستشهاد تكتسب قيما تكنولوجية مضافة بدعم إيرانى ، فيما عجزت القيمة التكنولوجية الأعلى عند العدو عن اكتساب ما يوازى أو يوازن حس الشهادة ، وفى الميدان اليوم ، نرى “حزب الله” يعود إلى تكتيكات وأساليب حرب العصابات ، ولكن فى صورة متقدمة تكنولوجيا ، ونرى ما تفعله مسيرات حزب الله الانقضاضية الموجهة للتخفى بتكنولوجيا الألياف الضوئية ، ونرى ما أحدثته من صدمات لجيش الاحتلال ، وبالذات فى واقعة مثيرة جرت قبل أيام ، حين انقضت مسيرة تعمل بالألياف الضوئية على تجمع للجنود “الإسرائيليين” من حول مروحية إنقاذ ، ونرى تزايد عدد الضباط والجنود “الإسرائيليين” القتلى والجرحى ، ونرى ـ كما قالت “يديعوت أحرنوت” “الإسرائيلية” ـ سيطرة ميدانية واسعة لحزب الله فى قرى الجنوب المعاد احتلالها ، فلم يعد القتال مقصورا على أسلوب “اضرب واهرب” ، ولا على الكمائن المعدة بعناية من مقاتلى “حزب الله” ، بل صارت مسيرات الألياف الضوئية فى الجنوب اللبنانى ، وعلى مستعمرات العدو فى الشمال الفلسطينى المحتل ، صارت هذه المسيرات المتطورة تكنولوجيا صداعا يفجر رءوس العدو بضباطه ومستوطنيه فى مستعمرات الجليل ، وقد لا نكون هذه المرة بصدد “حرب عصابات” مقاومة تتصل لنحو عشرين.


